كتاب

حزبية بقوة القانون

اعترض ما يقارب نصف الأحزاب السياسية على نظام تمويل الأحزاب الحالي بحجة أنه «وأد للحياة السياسية»، والحقيقة أنه وأد للأحزاب غير الفاعلة التي لا تمتلك أية قواعد شعبية في الوقت الذي تتلقى فيه تمويلاً على حساب الشعب من خزينة الدولة، فالأحزاب من الشعب، والأصل أن تمثله بكافة أطيافه، فكيف يكون التمويل من ضرائبه دون أن يستفيد من المنظومة الحزبية؟

فقد شرّعت الحكومة النظام القديم عام (٢٠٠٩) كخطوة تشجيعية استهدفت إنعاش الحياة الحزبية والأخذ بيد أصحاب الفكر لطرح نفسهم على الساحة وإثبات صلاح القيم التي اجتمعوا عليها، وبعد عشرة أعوام من التطبيق لم تزدد الساحة الحزبيّة إلّا تضخّماً كميّاً على حساب النوع المفتقد وأصبح لدينا أحزاب بضعف العدد السابق دون أية قيمة مضافة.

وكنت قد كتبت كثيراً عبر هذا المنبر عن ازدحام الساحة وإقصائها لأصحاب الفكر المستجدّ وصاحباته، ولعلّ هذا النظام بصورته الأخيرة سيمثل أول خطوة في (فلترة) المشهد السياسيّ مع منحه فرصة عادلة قائمة على تشجيع الاندماج والتحالف والائتلافات للأحزاب كافة في سبيل المنافسة والبقاء.

ولا بد لنا أن ننظر بواقعية للنظام الذي جاء بمعادلة سهلة نسبيّاً تحفظ للحزب تمويله في حال ترشيحه أعضاء للمجلس لا النجاح، وذلك أضعف الإيمان، رغم أن الإختبار الحقيقي المطلوب هو النجاح بصرف النظر عن العدد لكن التيسير مطلوب كذلك.

ونعلم كما يعلم الجميع أن النظام الأخير ليس بالمثاليّ وما من نظام مثالي في العالم، لكن التجارب الديموقراطية الناجحة أثبتت أن الفكر المستحدث هو من يصنع التغيير في كل حقبة من حقب الزمان، وأن استمرارية الأحزاب العريقة مرهونة بتجديد الدماء وتصعيده الكفاءات، ولا يمكن لهذ أن يكون إلّا إذا أعيدت هيكلة الساحة الحزبية من جديد بالاستحداث والاندماج والإنهاء.

أي أنها فرصة إجبارية ستقيّم قدرة الأحزاب في تقديم البرامج المقنعة للقواعد الشعبية المتعطشة حقيقة لمثل هذا التغيير، فالمتابع يلمس ثقة بمؤسسية الأحزاب وقدرتها مقارنة بالمرشحين والنواب الأفراد، لكنها ثقة ضعيفة لم تُختبَر وحانت فرصة اختبارها.

لا نريد للأحزاب أن تكون مجرد أجسام لا ثقل لها على الأرض، ولا نرغب في أن تخلو الساحة ليصعد أقوى الضعفاء أو كما أسميته سابقاً «الأثقال الوهمية»، بل نريد أن تستغل الفرصة هذه المرة ونشهد برامجية إنتخابية مميزة لا نشك بتوفرها وإمكانيتها، وهذا سيفرض إصلاحاً حزبيّاً من الداخل تتبدّل فيه الوجوه وتزال عبره التكلسات التي فرضت بيروقراطية وجموداً على الهيئات الحزبية طيلة العقد الماضي.

قد تكون هذه فرصة أخيرة لبعض الأحزاب، وفرصة تاريخية ليسطع نجم بعضها، وإفساح للمجال أمام الطاقات الخاملة لتظهر نفسها كي تصنع برلماناً مختلف النكهة والصورة والأداء.