كتاب

«منبر الأقصى».. بين صلاح الدين والهاشميين

صادفت هذه الأيام الذكرى الحادية والخمسين لجريمة إحراق المسجد الأقصى بالتعاون الصهيوني الإحتلالي للقدس وأرض فلسطين، وهي تصادف بالمعية حقبة إسرائيلية جديدة من الانفتاح العربي عليها فجأة، بمشهد لم يكن يحلم المعسكر الصهيوني به حتى آبائهم الأوائل، وعودا لذكرى المنبر الأصلي الذي التصق اسمه بالفاتح العظيم صلاح الدين الأيوبي، رغم أن من صنعه واحتفظ به للتحرير هو السلطان نور الدين زنكي الذي لم يكتب له فتح القدس، حتى حمله صلاح الدين وأرساه في صدر المسجد العظيم، ثم توالت عليه السنين والدول عبر ثمانمئة عام، قبل أن يُحرق كليا على يد الإرهابي الإسترالي بالتواطىء مع سلطة الاحتلال.

بعد احتراق المنبر وقسم كبير من المسجد الأقصى، قامت دائرة الأوقاف ببناء منبر حديدي مكانه، حتى أمرّ الملك الراحل الحسين بن طلال ببناء منبر جديد على ذات الطراز الأصلي، وبدأ المختصون بالبحث والتخطيط لذلك، ولم يشهد الحسين نهاية المشروع، فتبناه الملك عبدالله الثاني كإرث شرعي لإبقاء الصبغة التاريخية حيةً في المسجد المبارك الذي لقي الجد الأكبر الملك عبدالله الأول حتفه على عتباته، وتابع الملك عبدالله تفاصيل إنجاز تلك التحفة المنقولة من العصور الذهبية للحكم الإسلامي، الى أن تم إنجازه في الأردن عام 2007 ونقله للأقصى، وبذات الاسم المتعارف عليه منبر صلاح الدين.

في هذا الزمن الذي مُسحت من سجلاته وكتب التعليم فيه كثيرا من الأحداث المضيئة للتاريخ العربي والإسلامي العادلة، لم يعد يجد الجيل الجديد أي فرصة للتعرف على تاريخ بلادهم، ولا إنجازات الآباء العظماء الذين حاربوا الظلم والاستبداد الذي ساقته الدول الاستعمارية لتغيير الجغرافيا العربية والثقافة الإسلامية تمهيدا للتغيير الديموغرافي والعزل المكاني للسكان الأصليين من العرب في فلسطين وغيرها من البلاد، ولهذا لا أحد يهتم بأهمية التاريخ كشاهد على أننا كنا ولا نزال الأقرب لفلسطين وللمسجد العظيم، ولم يفرق إلتصاقنا بفلسطين التاريخ ومسجدنا المبارك بخلافنا أو صلح دولتنا مع الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا الزمن يستطيع أي كائن أن يوزع المال والأعمال والشهوات على من يشاء من البشر، ولكنه لا يستطيع كسب قلوبهم مثلما كسب جيوبهم، وشتان ما بين يهادن مع العدو مجبراً سياسيا وجغرافيا دون احتضان لكل ما عندهم، وما بين يعتنقهم دون قيد ولا شرط، فالعلاقة الأردنية الإسرائيلية مبنية على تفاهمات طالما تخالفنا فيها كثيرا، وإن كانت الدولة الفلسطينية الناجزة على كامل أرضها التاريخية هي مؤشر الإتجاه، فإن التطبيع الشعبي لم يكن إجبارا من قبل سلطتنا، وخير دليل على ذلك فإن الملك عبدالله الثاني لم يزر دولة الإحتلال بينما زار رام الله تأييدا للسلطة الفلسطينية.

من هنا نستخلص أن الغمر واللمز من موقف الأردن تجاه القضية الفلسطينية، أو التبرير بمعاهدة وادي عربة، لا يمكن أن يتطابق مع أي حالة أخرى، فلم يطرح الأردن رسميا نفسه بديلا عن أحد، وإن كان مصراً على الوصاية الهاشمية على القدس ومقدساتها، فهو لم يعلن أن المنبر هو هاشمي، حيث استغرق بناءه سنوات، وبأكثر من ست عشرة الف قطعة خشبية من شجر الجوز المطعّم بالأبنوس كنسخة أصلية كلفت ملايين الدنانير، وأبقى على تسميته منبر صلاح الدين كما هو، لا المنبر الهاشمي.