مع كل تشكيل حكومي جديد، تنطلق حملة إعلامية مسحجة وملمعة للرئيس الجديد واعضاء طاقمه الجديد، لتشخص عيون الناس الى تخيل طاقة الفرج التي يحلمون بها، وتبدأ سلسلة من التصريحات والشعارات المثالية من الرئيس الجديد على غرار: هدفنا بناء دولة القانون والمؤسسات، منهجنا العمل والبناء، خططنا مقرونة بمؤشرات الاداء ولها أجندة زمنية، حاسبونا بعد ان تمهلونا، حرية الراي مكفولة وسقفها السماء، بوصلتنا تجذير مفهوم الدولة المدنية والمواطنون سواء أمام القانون..
يهدأ الناس في الأشهر الثلاثة الأولى باعتبار أنها العطوة الشعبية المتوجبة لانتظار توجه الفريق الحكومي واستشعار بوصلته في العمل، وما إن تبدأ الشهور التالية، حتى يبدأ الرصد والنقد، ويرون برئيسها وبعض من معه الذين لا يتورعون عن رسم صورة المستقبل الوردية على غير الحقيقة التي يعرفونها، ويستمرون بإعطاء التطمينات وطرح البرامج وإعطاء الوعود بمكافحة الترهل، وتجفيف مستنقعات الفساد الآسنة، وتحقيق العدالة، وتجذير مبدأ تكافؤ الفرص، وفق معايير الشهادة العلمية والتجربة والخبرة والنزاهة، ثم يعلنون عصر الحكومة الإلكترونية، ويفتتحون ذلك بالبدء بالترشيح الإلكتروني للمناصب العليا بالدولة، ثم تسفر التعيينات عن تعيين ابن أو أخ أو صهر أحد المسؤولين، أما في مسألة حقوق الانسان فهذه تصبح تهليلة الحكومة الدائمة، بالإضافة إلى شعار «إطلاق الحريات»، ومنها حرية الرأي.
أما الإصلاح الإداري فهذا الشعار الثابت العابر للحكومات، فيتكرر قولاً دون أن يتقدم إلى الأمام خطوة واحدة، فأحد أساليب التعذيب غير المباشرة للمواطن، أن يلجأ إلى مؤسسة حكومية في إحدى المعاملات، وليكن الله في عونه على المراسل وموظف المستودع وصغار الموظفين، الذين يقومون بالتدقيق على ترقيم اوراق المعاملة وسلامة الطابع والتوقيع والرقم الوطني وصورة صاحب المعاملة، حتى يتخذ قراراً بإرجاء التوقيع لان الموظف صاحب الاختصاص مُجاز، وبالتالي فإن الوظيفة مجازة.
حتى لا نُتهم بأننا نستهوي مناكفة الادارة العامة، فإننا نسوق هذا المثل: تنفيذ قرار محكمة قطعي بفك الحجز عن كفالة بقيمة عشرة الاف دينار لمقاول، تستوجب مراجعة المحكمة وتصديق القرارات ثم التوجه إلى رئاسة الوزراء، ثم إلى دائرة اللوازم ثم إلى وزارة الصحة ثم عودة إلى دائرة اللوازم، ويتم تطريز هذه المعاملة بأكثر من اثني عشر توقيعاً، وأيام في كل دائرة لدراسة المعاملة، وتستغرق كامل العملية أكثر من شهر لمراجعات شبه يومية.
اذا رأيت المسؤولين يقولون مالا يفعلون، أو لا يتورعون عن الادعاء لتسويغ مواقفهم، فاعلم أنهم قد جاؤوا لتنفيذ مقاولاتهم والانتفاع بوهج المنصب والسلطة والثروة، وأنهم محاصرون بمناقشات ضيقة المساحة والافق، حول ترميم جسر مشاة، أو فتح عبّارة، أو الموافقة على نظام (برفع الرسوم على العباد ولا يخفف من ديون البلاد).!!