ليس انحيازا لنقابة المعلمين القول بأنها بيت خبرة، ونبع للوطنية الحقة. وليس انحيازا ضدها القول بأننا نخاف عليها من أن تنحرف عن بوصلتها الرئيسية، تحت تأثير بعض المطالب الصغيرة، التي ترفع كشعارات في غير الزمان والمكان المناسبين.
فالنقابة، شريك رئيسي في العملية التربوية بكل تفاصيلها الوطنية، وقطاع التعليم جيش ثان يفترض أن يرفد القطاع العسكري عند أي منعطف يمر به الوطن، وأهم مخرجات القطاع أن كافة الأردنيين يمرون من خلاله إلى مختلف مواقع الخدمة الوطنية، وبالتالي فإن أي خطأ أو خلل يصيب هذا القطاع تكون نتائجه السلبية مضاعفة وذات أثر بالغ على المسيرة بكافة عناصرها.
فليس تنظيرا، القول بأن المكانة لقطاع التعليم ككل، تلامس النظرة المقدسة للجيش، وأن الخطأ في هذا القطاع يقاس بميزان الذهب. ذلك أن ما يمكن غض النظر عنه في قطاعات أخرى ليس مقبولا في مجال التعليم.
من هنا، تخطئ نقابة المعلمين إن اعتقدت أن الظرف الذي يمر به الوطن حاليا مشابه لما كان عليه قبل عام، وتخطئ أكثر، إن اعتقد القائمون عليها أن مطالبهم ستحظى بنفس القدر من الاهتمام على مستوى الشارع الأردني.
فالظرف مختلف جدا، بحكم «الجائحة» التي مرت بالبلاد، وفعلت فعلتها بالوطن اقتصاديا واجتماعيا، وبحكم عدالة الإجراء الذي اتخذته الحكومة، حيث استدعى الموقف اتخاذ إجراءات قد تكون قاسية، لكنها طالت الجميع دون استثناء. تحت عنوان الحفاظ عليه سالما معافى، وبحيث تمر الجائحة بأقل الأضرار، وبما يمكن من الانطلاق من جديد.
ولأن الحيز المتاح هنا لا يمكّن من استعراض ما حدث، لا بد من الدخول مباشرة في موضوعنا لهذا اليوم، بدءا من حالة التصعيد التي أطلقتها النقابة رفضا لتأجيل صرف العلاوة المتفق عليها لقطاع المعلمين، وانتهاء بالتلويح بتكرار ما حدث العام الفائت، عندما تمسكت النقابة بموقفها وعطلت الدراسة فترة من الوقت، قبل أن تأتي الجائحة وتعطل الدراسة جزءا كبيرا من العام، وقبل أن يضطر الطلبة إلى دفع ثمن يسود اعتقاد بأن تأثيراته السلبية ستستمر إلى أمد طويل، وستترك تلك الحقبة ثغرة في جدار النهوض التربوي الذي تشترك النقابة والوزارة في رفعه، وتعتبرانه واحدا من أبرز الأهداف الوطنية العليا.
فما فعلته الحكومة، ولا أدافع عنها، أنها اضطرت إلى تقسيم الغرم الناجم عن ضرر الجائحة على الجميع دون استثناء، ولم تتقصد فريقا دون الآخر، فقررت تأجيل دفع الزيادات والعلاوات التي أقرتها بداية العام، ومنها علاوة المعلمين.
والنقابة، تعاملت، للأسف، مع القرار الحكومي، بتجميد علاوة المعلمين، بقدر زائد من الحساسية، ولوحت باتخاذ إجراءات ليس الوقت مناسبا للتفكير بها، مع أن القرار الحكومي لم يقتصر على قطاع المعلمين فقط، ولا على بعض القطاعات بل امتد ليشمل الجميع بمن فيهم أفراد وضباط الجيش العربي، والأجهزة الأمنية، وكل العاملين في الدولة.
حساسية الموقف تتجلى عندما تكشف النقابة عن نيتها للتصعيد وصولا إلى الإضراب العام، بينما تتواصل التحذيرات على مستوى العالم باحتمالية عودة الجائحة بأشرس مما كانت عليه بداية العام.
وبالتالي، فلا الظرف مناسب لمثل تلك الأعمال التصعيدية، وليست هناك إمكانية لإعادة صرف العلاوة قبل الموعد المعلن مسبقا وهو بداية العام المقبل 2021.
ولأن الخاسر في مثل هذه الحالة هو الوطن، فمن غير الممكن أن يسمح أحد بأن يخسر الوطن، خاصة وأن كافة القطاعات الأخرى بما فيها الجيش والأمن قد سلمت بالقرار، وقبلت به، وسط إحساس عام بأن من اختار الجيش قدوة له فقد حاز الشرف كله.