كتاب

مراجعة إتفاقية السلام

قبل عقد ونيف من الزمان، كلفتني الإدارة القانونية في وزارة الخارجية كمتدرب لترتيب مواعيد مع الوزراء في الوزارات كافة لغايات تقييم إتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية من ضمن سلسلة المراجعات الدورية التي تجريها الدولة بهدف تبيُّن مدى إلتزام الطرف المقابل بواجباته المتفق عليها.

وبعدها بأعوام، قُدِّر لي أن أخدم في مركز الملك عبدالله الثاني للتصميم والتطوير (كادبي) وأن أطّلع في حينه على مستويات الجاهزية والتطوير المستمرّين اللّذين يتمتع بهما جيشنا العربي المصطفوي، ودار عندها في ذهني السّؤال الذي لدى غيري: لم كلّ هذا الإهتمام العسكري وكأنّ الحرب قائمة غداً رغم أنّنا في حالة سلم؟

لأعود وأربط بعدها بأعوام بين ما شرعت في قراءته من تاريخ العالم السياسي وبين الإستراتيجية الأردنية في الحكم، فتشكلت لديّ القناعة -إثر ما شهدته من عناية بالسياسة الخارجية والتسليح على حدٍّ سواء- أنّ أكثر الأنظمة حصافة هي من تحسب للغد أدق الحسابات، وكأن السِّلم مؤبّد، وكأنّ الحرب على الأبواب.

الآن، تسيطر على المزاج الشعبي والسياسيّ رغبة بتجميد إتفاقية السّلام وربما التصعيد بالمقابل ولو كان لفظيّاً بذات الدرجة الإستفزازية التي يتّبعها الخصم، وربّما أن هذه الحالة مرتبطة داخل العقل العربيّ الباطن بنماذج سعت إلى تهييج الجماهير ورصّ الصّفوف كطريق أقصر نحو تسكين المطالب الداخليّة وتوجيه البوصلة نحو الخطر الخارجيّ تماما كما بيّن «هتلر» في كتابه «كفاحي» حيث كانت نتائج تلك السياسة مدمّرة للأنفس والوحدة الوطنية والمالية العامّة وعلى بقاء الأنظمة ذاتها.

وبلغة العقل بعيداً عن العواطف، يكشف لنا التاريخ أيضاً بأنّ أسباب بقاء الدول متعددة، أمّا أسباب زوالها فواحدة إذ تتلخص معظمها بغيبوبة السلطة وعدم معرفتها فيما يدور لدى قاعدة الهرم، وإنجرارها -السلطة- للخطاب العقائديّ العاطفيّ الهادف لتخدير الجموع والتوسّع الجغرافيّ، إضافة لتمدّد ما يسمّى بـ «زمرة النظام» التي سبق وأن بينّا عبر هذا المنبر استحالة وجودها في النظام الملكيّ الأردنيّ.

خلاصة القول، إن ما شهدته بذاتي على مقربة من مركز القرار الأردني يؤكد أن الحسابات لدينا مدروسة دائما ولا يغيب أيّ منها عن البحث والإستعداد والتقييم مهما صغُر أو كبُر، ومن براهين ذلك عدم تعطيل إصلاحٍ داخليّ لعلّة خارجية، واستقرار أركان الخطاب على قواعد المعقولية والواقعية بعيداً عن المغالاة في الوعود داخليّاً أو الوعيد خارجيّاً، وترسيخ الوحدة الوطنية في إطارها العامّ.

تلك إستراتيجية عميقة متوازية دلّلت عليها كل المواقف والشواهد وكانت سبباً وجيهاً في صمود الوطن رغم كلّ ما شهده ويشهده المحيط من غليان وتبدّلٍ غيّر وجه المنطقة حتى الآن وسيغيّر بطريقة أُخرى لاحقاً، وهي إستراتيجية ملكيّة بإمتياز لا تتغيّر بتغيّر المؤسّسات وإداراتها، فبعض الملفّات تتطلّب التشاركية في جزئيّات معينة والمركزية في القرار العامّ درءاً لإجتهادات غير مأمونة.

لذا، لقد نجا الأردنّ وسينجو دائماً بعون الله وحكمة قيادته وإخلاص نشمياته ونشاماه، وسيبقى دائماً في جعبته ما يقول ويفعل، الأردنّ القادر على تطويع التحدّيات وتحويلها إلى فرص، وهو ليس بحاجة للتجربة والاختبار فقد أثبت ذلك مراراً وتكراراً منذ قيامه.

حمى الله الأردن قيادة وشعباً.