ما بين التشدد في اتخاذ الإجراءات الوقائية، والتساهل في تطبيقها، كانت هناك «شعرة» ليست قابلة للشد من أي طرف. فقد بدا واضحا أن عوامل التراخي في التطبيق، استقرت على فهم يتمثل بالأحقية المطلقة لمن يريد شدها، أو إرخاءها.
وشكلت الحكومة بحلقاتها المتعددة النموذج الحي على تلك النظرية التي أطاحت بمشروع معاوية، فبالغت باتخاذ الإجراءات في وقت كان من الممكن اعتماد أسلوب التسهيل، والتخفيف من القيود، وتساهلت بأكثر مما يفترض عندما تجاوز الطرف الآخر في المعادلة حدود الممكن، ودخل في الكثير من الخطوط الممنوعة، واكتفت بدور «الواعظ»، الذي يشير إلى الخلل ويحذر منه، مع أنه يمتلك أدوات منعه.
فقبل أسابيع وعندما تراجعت هجمة فايروس كورونا، تمسكت الحكومة بإجراءاتها المتشددة، فاستمرت في فرض حظر التجول بما في ذلك أيام عيد الفطر، ومنعت الانتقال بين المحافظات وفرضت قيودا على التجمع، وأعلنت عن منظومة من الإجراءات التي تضبط كافة النشاطات بما في ذلك الصلاة. واعدت مصفوفة للإجراءات الواجب الالتزام بها، وأخرى للعقوبات بحق من يخالفها.
في الأثناء، لم تتوقف القيادات الصحية المعنية بملف كورونا إداريا وفنيا عن مواصلة التأكيد بأننا لم نودع الوباء بشكل كامل، وأن احتمالية عودته تبقى قائمة، ما دام الفايروس موجودا في دول عديدة من بينها دول الجوار.
وتواصل تلك المرجعيات التحذير من عودة» شرسة» للوباء، في حال التساهل في اتخاذ الإجراءات الوقائية، ومنها اعتماد مبدأ التباعد بين الناس، وعدم التجمع، ولبس الكمامة، ووسائل الوقاية الأخرى.
لكن ما الذي حدث؟
يبدو أن كل ما يجري الحديث عنه، كان مجرد «حديث ليل»، لا يستمر حتى طلوع الشمس. فلا المواطن التزم بتلك التعليمات، ولا الحكومة تابعت ما طلبته، أوتأكدت من تنفيذ ما أعلنته تحت التهديد بعقوبات مناسبة.
على سبيل المثال، طالبت الحكومة كافة المواطنين بالتباعد، ولبس الكمامة، في الأسواق، وفي المساجد. وفي المقابل لم يلتزم المواطن بأي من هذين الشرطين.
ففي صلاة الجمعة في الكثير من المساجد ـ رأيت أحدها وسمعت عن بعضها ـ، تدنت نسبة ارتداء الكمامة إلى أقل من نصف المصلين، ونسبة ارتداء الكفوف الواقية إلى ما يقترب من واحد بالمائة. وتراجع الكثير من المصلين عن إحضار سجادة الصلاة.
يقابل ذلك أن مجموعة المنظمين لم تعد تسأل المصلين عن السجادة والكمامة والكفوف. ولم تعد تطلب منهم الاحتفاظ بمسافة لا تقل عن المتر بين المصلين، وأصبح من حق أي مصلّ أن يحشر نفسه بين اثنين من المصلين.
ومثل ذلك ينطبق على المتسوقين في الكثير من الأماكن، ومن مستخدمي وسائل النقل الخاصة.
ويبدو أن القضية بمجملها باتت محكومة بالأجواء الحكومية العامة، التي تميل إلى التساهل. فالقرارات الحكومية الأخيرة، وعلى رأسها السياحة العلاجية، والسياحة الداخلية، والتمهيد لفتح الباب أمام السياحة الخارجية، فهمت على اعتبار أنها رسائل طمأنة بأن الخطر قد زال. وعملية التغاضي عن كثير من المخالفات التي ترتكب في الشارع والسوق ودور العبادة اعتبرت مؤشرات على أن الحكومة مطمئنة.
والنتيجة حالة استرخاء ندعو الله ان يقينا شرها.