في الأردن وحده يبدو كل شيء ممكنا، من بين دول العرب والعجم لا دولة تشبه نشوء وتغير الشخصيات السياسية المتقلبة على الحكم الوزاري في بلادنا سوى الإمبراطوريات الأوروبية الممتدة قبل أن تتقلص وتنكفىء، وهذه المساحة الكبيرة لدخول شخصيات ليس لها ارتباط مكاني على الأرض الأردنية، جعل من تغير الحكومات مسلسلا لا يتوقف عبر القرن الأردني الذي يوشك على وداعنا، ولكن للأسف كثير من أبناء الجيل الجديد لا يعرف التاريخ السياسي الوطني بشكل جيد، وكيفية تشكيل الحكومات مهما كانت بدائية، والغالبية لا تعرف سوى أن أول رئيس حكومة هو رشيد طليع، نقطة.
فمن هو رشيد طليع قبل مئة عام؟ رشيد بن علي بن حسن طليع،عربي درزي ولد في قرية جدّيدة الشوف من جبل لبنان، فكيف أصبح أول رئيس لنواة حكومة شرق الأردن الفتيّة؟ وما هي صفاته وكيف استشهد بعد ذلك بسنوات، وكيف تحولت بلاد العرب من عائلة عربية ممتدة الى كانتونات سياسية كبيرة مقطّعة ومتصارعة السياسة والمصالح، لا وجود فيها سوى للقطرية والحزبية والتابعية الجنسية؟.
النظام السياسي الأردني اليوم هو الوحيد الذي ولد ولا يزال قائما بعد إنهيار الإمبراطوريات القديمة عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية ووصول الاستعمار الإمبريالي الأنجلوفرنسي الى صحراء العرب وخضرائها وسواد أفريقيا، وهو لا يزال يمتعنا بنماذج فريدة من الشخصيات التي تتبوأ مناصب الحكم في الإدارة المحلية، وسرّ تفرد تلك الشخصيات ممتد منذ العهد الأول دون أي مدخل لنا لأي توضيح أو تسبيب، فهذا هو أردن العرب كما أننا نحن العرب، ألم نستيقظ على هذا المبدأ؟
نعود الى الشهيد رشيد طليع الذي سألت نفسي عنه سؤالا قديما لم يجبه أحد، كيف جاء ولماذا؟ ولكن البحث في التاريخ يجعلك تأسى على واقعنا المتشرذم والضائع بين «هرج وسواليف» وبين أكاذيب أصبحت حقائق ملتصقة، فمجرد قراءة سريعة عن ذلك الرجل تدرك كم كانت القيادة والعروبة نموذجا رائعا عند بعض الشخصيات العابرة للحدود «السايكس بيكو»، فقد كان طليع برتبة وزير للداخلية في حكومة علي رضا الركابي في العهد الفيصلي على سوريا 1919.
قبل الوزارة كان طليع عضوا في مجلس المبعوثان العثماني عن حوران، وهو الذي أكمل تعليمه في الجامعة العثمانية بإسطنبول متخصصا بالإدارة الحكومية،ثم عمل متصرفا لحماة، وبعد الوزارة الفيصلية أصبح والياً على حلب،وبعد الإنقلاب على الحكم الفيصلي،خرج مع أعضاء حزب الإستقلال وتمركز في جبل العرب يدعو للأمير عبدالله بن الحسين، فاستدعاه الأمير،وطلب مساعدته بالتفاوض مع ونستون تشرشيل وزير المستعمرات البريطاني في القدس حول تأسيس إدارة الإمارة الأردنية القادمة.
شكلّ طليع أول حكومة أردنية في الحادي عشر من نيسان1921،وما لبث أن اشتبك مع الإدارة الإنجليزية التي ماطلت بدفع حصة شرق الأردن من عوائد الجمارك،ونتيجة صدامه معهم إستقال بعد شهرين،ليعيد تشكيل الحكومة الأردنية الثالثة في تموز من ذات العام، ولكنه تصادم مع الإنجليز حول صلاحيات قائد الجيش فريدريك بيك، فقدم استقالته للأمير وغادر ملتحقا بالحاج أمين الحسيني ثم الى القاهرة قبل أن يعود الى جبل العرب للقتال ضد الإحتلال الفرنسي.
في عيد ميلاده الخمسين كان رشيد طليع رأس حربة مع جيش سلطان باشا الأطرش يقاتل قوات الجنرال أدريا الفرنسي، حيث أصيب بجراح أسلمته الى حتفه، مسجلا بذلك تاريخا دراماتيكيا سياسيا ثوريا مبني على مبادىء وطنية قومية..
Royal430@hotmail.com
تعرّفوا على أول رئيس للحكومة الأردنية
09:50 11-7-2020
آخر تعديل :
السبت