أطلقت اليابان مؤخراً برنامجاً للهجرة يسعى إلى استقطاب العمالة على اختلاف أنواعها، وبغض النظر عن تفاصيل البرنامج فإنه أتى مفاجئاً لكثيرين خاصة وأن اليابان دولة كثيفة سكانياً، وتمتلك العمالة الماهرة، فما الذي يمكن أن يدفعها إلى هذه الخطوة؟
التأمل في موقف ألمانيا من المهاجرين، وتشجيعها على مزيد من الهجرة يمكن أن يقدم الإجابة على السؤال المتعلق باليابان، والبحث ملياً في الخارطة السكانية من شأنه أن يقدم إجابة واضحة، فالمجتمعات الغربية تعاني من الشيخوخة إذ يزيد متوسط العمر في اليابان وألمانيا عن 47 سنة، وذلك يعني أن القوى العاملة في البلدين عليها أن تنفق الكثير على لإدامة برامج تمويل التقاعد، وتوفير فرص حياة كريمة لمواطنيها المتقدمين في العمر.
يقف الأردن عند أعتاب 22.5 عام كمتوسط عمر لمواطنيه، وهو الأمر الذي يوصف بالفرصة السكانية، وتتزايد أهمية الفرصة السكانية في الأردن في حال قياسها بنوعية التعليم والصحة التي يتلقاها المواطن الأردني، قياساً بالدول الفتية الأخرى في التصنيفات العالمية، فالفرصة السكانية مسألة معقدة، لذلك لا تعتبر النيجر بمتوسط عمر يزيد قليلاً عن 15 عاماً من دول الفرصة السكانية إذ أن تدني متوسط العمر يعود إلى سوء الرعاية الصحية في البلاد، ويكاد الأمر ينطبق على معظم الدول التي يقل متوسط عمر سكانها عن 25 عاماً.
التأمل المجرد في هذه المجموعة من الدول الفتية يظهر أن الأردن يحتفظ بينها جميعاً بأعلى معدلات جودة الحياة مع تفوق واضح في مخرجات التعليم والصحة، وهو الأمر الذي يمنح الأردن فرصة لتصدير الطاقات البشرية لمحطات جديدة حول العالم، خاصة بعد التراجع الذي تشهده دول الخليج العربي التي مثلت طويلاً الجهة المفضلة للعمالة الأردنية.
يمكن للأردن أن ينجح في تصدير هذه الطاقات في حالة العناية باستمرار تنافسيتها، والعمل على تجنيبها المتاهات البيروقراطية التقليدية، وسياسات الأهداف السهلة التي يمكن أن نلمحها في قطاع الزراعة الذي يفشل حتى اليوم في استغلال تنوع مناخي هائل للأردن بين الأغوار والمناطق الجبلية.
يجب إعداد هذه الثروة البشرية للتصدير من خلال التركيز على التعليم الوجه للتنافس العالمي في قطاعات مثل الخدمات الطبية والصحية وبعض التخصصات الهندسية والمهنية، وهذه المهمة تتجاوز وتختلف نوعياً عما تتبناه وزارة الشباب، وتتطلب استراتيجية عابرة للوحدات الحكومية وعابرة للحكومات نفسها.
قبل أي شيء يجب التوقف عن النظر للشباب بوصفهم عبئاً على الأردن، وتجنب إشاعة هذا الشعور، فالشباب فرصة حقيقية يجب على الأردن أن ينتهزها من منطلق ميزته التنافسية الواضحة.