كعادة الجمهور الذي يبحث عن الإثارة في الأخبار والإخبار وتناقل كومة القش حتى تصبح بيدرا أطول من الأهرامات، تأتي المعلومات غير الرسمية عن إجراءات رسمية تطال شخصيات متهمة بقضايا تهرب ضريبي أو جمركي أو تحايل على القوانين والأنظمة أو تلاعب في الأوامر والتعليمات لغايات تكسّب ماليّ محرمّ، وبين إنطلاق أي معلومة لم تستند على إفصاح رسمي دقيق وبين سويعات قليلة نجد أن الجمهور كله يصدر أحكاما مسبقة، ويتسابق الركب في توزيع التهم على من يكرهون، وهنا تضيع الحقيقة ويضطرب الإجراء، وحتى يفصل القول بحق المتهم الحقيقي يكون حُكم الجمهور قد اتخذ قراره القطعي، فيما الحكومة لا تزال تمسح الضباب عن النافذة.
هذا حدث كثيرا في سنوات قديمة وحديثة، وكم عرفنا من أسماء أفلتت من المحاسبة والعقوبة وأخذت ما أخذت من البيدر وتركتنا كالنمل نحوم بحثا عن الزوان على بقايا آثارهم، فمات من مات وغادرنا من غادر الى مهاجع الأوفشور، وهذا لا يليق بالمؤسسية الحكومية التي تعلن أنها شفافة ولا تخبئ أي معلومة قد تضر بالإقتصاد الوطني أو بالمالية العامة للدولة، ولعلنا اليوم لا نزال نسمع ونُسأل ويتناقش القوم في أسماء وضعها الجمهور على مذبح الفساد.
يقول البعض إن الغاية من التشهير وتسريب معلومات ليس لها أب هي محاولة للإغتيال السياسي تستهدف شخصيات عامة ووزراء ورؤساء وموظفين حكوميين، وأن ليس هناك من دخان بلا نار، في المقابل يقول البعض أن ذلك الدخان ليس سوى دخان البنادق ورائحة البارود الذي يستهدف أشخاصا بعينهم دون حق، وبين هؤلاء وأولئك يطير الدخان وتضيع الحقوق، ولكن المؤكد أن هناك ترددا في الإعلان الرسمي عن الإجراءات التطهيرية، وأسأل هنا: متى تخاف الدولة من الأشخاص؟
المؤسف عندنا أن هناك من الأشخاص الذين يستغلون نفوذهم لتحقيق ثروات باطلة من المال العام بلا وجه حق، أو التدخل الممجوج لتسهيل مهام تجار الفرص، وهذا ما يجعلنا نسأل عن أسماء كانت فيما مضى «علك» يمضغه ذات الجمهور ثم غابت عن الذاكرة، وهاجرت بما تملك من حق أطفالنا في التعليم والطبابة والمرافق العامة والمدارس الحكومية التي لا نراها في قرانا وبلداتنا المجاورة لعاصمة الوطن، وغيرهم ممن تطاولوا في البنيان المالي والإستثماري وأصبحوا قوة داخل الدولة.
اليوم تخوض سلطات وزارة المالية وهيئة النزاهة ومكافحة الفساد مناورات مبدئية لدخول ساحة المعركة مع المتهمين بالتهرب الضريبي الكبير والفساد الإداري والتطاول على القانون، وهذا يجب أن يحالفه دعم من الجمهور لتحقيق الغاية المنشودة، لا أن يتحول الى تصفية حسابات لا نعرف أسبابها تستهدف أسماء بعينها أو فئات دون أخرى، فالعدالة يجب أن تعمّ، أما التقصي والتحقق فهو الإجراء الأول لتحقيق العدالة حتى يُبتّ في الأمر ويعود حق المواطن المطحون بما تجود عليه الحكومة من فتات.
في بلاد وكيانات قريبة رأينا ماذا فعل الفساد المالي بالأوطان، دمر نسيجها الرسمي والشعبي، وفي إسرائيل لا يزال رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو يواجه محاكمة بقضايا فساد لا تتعدى ثمن أبواب شقة من مشروع سكن كريم عندنا، وفي سوريا أطاحت السلطات بأقرب المقربين من القصر الجمهوري «رامي مخلوف»، وفي الرياض شهدنا الريتس كارلتون، ولذلك على الجمهور أن يبتعد عن تصفية الحسابات حتى تضبط السلطات حساباتها بدقة.