كتاب

ما الذي استفدناه من أشهر الحظر؟

مثل غالبية دول العرب والعجم، قررت الحكومة تنفيذ إجراءات حظر التنقل وإغلاق المنشآت التجارية بكافة أشكالها لفترة شهرين، قبل أن تسمح بفتح جزئي انتهى بفتح أغلب القطاعات التي وجدت نفسها في دائرة الشك بقدراتها السابقة، وهذا ما أدى إلى تسريح موظفين وعاملين وإغلاق طوعي للكثير من المحال التجارية، وهذا فيما يخص الحالة العامة للبلاد من باب الاقتصاد، ولكن ماذا عن الحالة الاجتماعية والانضباطية السلوكية للجمهور العام؟

حينما نجحت تجربة الحبس الطوعي للأفراد في منازلهم ومنع تحرك المركبات والتنقل عبر مئات آلاف الكيلو مترات من الشوارع، سكنت الأرض وعمت السلامة المرورية تلك الطرقات وواجه الناس درساً لا يمكن نسيانه إلا في بلادنا، من أن هناك فرصة لإعادة بناء نمط استهلاكي وفكري وحركي لحياة البشر غير ذلك الجنون الفقير الذي كنا نمارسه طيلة سنين مضت، حيث وفرّ الحظر مناخا لإبقاء الناس في بيوتهم وتوفير الكثير من المصاريف المالية التي كانت تنفق دون مبرر، وغير ذلك من تغيير في نمط العادات الاجتماعية وعلى رأسها تجمعات الأفراح والأتراح وتشحيط الشباب بسيارات ودراجات لم يتعبوا في جمع أثمانها.

ولكن، ما أن تم السماح بالفتح الكلي لحركة البشر حتى عادت حليمة لعادتها القديمة، فواجهنا الجرائم البشعة من قتل واشتباكات متخلفة، ثم فجعنا بضحايا الحوادث المرورية التي أزهقت أرواح شباب زاكية وخطفت الفرح من بيوت مكلومة عبر طريق الموت الصحراوي الجنوبي، ومثله في طرقات المملكة، وفي شوارع العاصمة عمان ازداد تحدي السائقين للسرعات المجنونة، وعدم الصبر في حركة السير، فلكم أن تروا شباباً يقودون مركبات بتهور يهدد عشرات السيارات الملتزمة بنظام القيادة والسير، وهم بالأمس لا يستطيعون المشي على أقدامهم أمتاراً عبر ذلك الشارع.

ماذا عن الإجراء الحكومي؟ هل كان بالقدر الكافي لتخفيف من وطأة الانقطاع عن الأعمال والأشغال طيلة ثلاثة أشهر مُرّة، حيث حدثتنا البيانات الصادرة عن مساعدات عاجلة لآلاف الأسر عبر صناديق الحكومة ولكن شخصياً لم أسمع من أي شخص في محيطنا المتهالك مالياً أنه تلقى دعماً مالياً مباشراً ساعده لتدبير أمور أسرته، من المؤكد أن هناك من تلقى مساعدات ولكنها ذات الأسماء وذات المناطق التي لا تعرفها سوى الكشوفات القديمة للمعونة الوطنية، وهذا كله ليس سوى «مسح زور» للجياع.

في ظل الحظر، أجريت اتصالات مع مسؤولين يديرون شؤون البلاد، وعلى أساس انهم يملكون القرار، واقترحنا عليهم استغلال فرصة الحظر للاستمرار السريع بإنهاء مشاريع البنية التحتية في ظل خلّو الشوارع وقبل عودة الازدحامات المرورية الخانقة، ووضع خطط سريعة لإعادة الإنتاج وتسويق المنتجات، وفتح الصناعات وإبقاء سلاسل التوريد مستمرة، وعدم تعويد الناس على الكسل الذي نعيشه من قبل، ومع هذا لم يتم ذلك إلا بعد قرار الفتح العام.

ما نراه اليوم خلال عودة الفتح العام لا ينبئ بأننا استفدنا من تجربة الحظر لإعادة التفكير بحياتنا الجديدة، فبقي القديم على قدمه، وتراجعت إرادة القوى العاملة، وفاز بالإبل ذات الأشخاص الذين تلقوا سابقا الدعم لإنشاء شركات التطبيقات والتكنولوجيا المحصورة، فيما لا يزال مئات الصحفيين وموظفي الصحف اليومية بلا رواتب منذ ثلاثة أشهر بناءً على قرار أغلق المنشآت خشية انتقال الفيروس، مقابل ملايين الأوراق النقدية تتراكض بين أيدي جميع المواطنين.

Royal430@hotmail.com