لدي ملاحظة، متعلقة بملف التهرب الضريبي..
.. كان لي صديق اسمه أبو محمود، وهذا الرجل قرر في عمر (السبعين) أن يتصابى قليلاً ويرتدي، قمصانا صفراء... ولكنه في عملية صبغ الشعر كان يستعمل أنواعا رديئة جدا... لطمر الشيب المتناثر... المهم أبو محمود تطورت لديه الأمور والصبغة أيضا وصلت للشوارب والحواجب، وأنا كنت أشجعه أحيانا, وهو لشدة حماسته كان يكذب في العمر، ويخبر الأصدقاء أننا درسنا معا في أبو نصير وكنا في صف واحد... والحقيقة تقول أنني حين ولدت كان (ابو محمود).. مكلفاً في الجيش.
بعد عامين من الصبغة، لم يعد (ابو محمود) شاباً، والبنات اللواتي كن يصادفنه لم يتركن كلمة (عمو أبو محمود), وحارس العمارة التي يسكنها ظل يناديه (يا حج).. والكل كان يعرف عمر (ابو محمود) الحقيقي.. والمحاولات المتعلقة بالعودة للشباب كلها فشلت.
المشكلة أن الرجل حين قرر ترك الصبغة، ونتيجة استعماله المنتجات الصينية الرديئة طرأت تغيرات جينية على بصيلات الشعر، وبالتالي لم يعد هنالك شيب ينبت.. بل صار شعره يعطي ألواناً غريبة، منها (الفوشي) وأحياناً (البرتقالي).. لدرجة أنك تحس بقوس قزح في رأسه.. وحين ذهبنا لطبيب الجلدية، وشاهد رأس الرجل أكد لنا نظرية التغيرات الجينية، واعتبر أن الحل يكمن في (الحلاقة ع الصفر)..
قمنا بالحلاقة لصديقي أبو محمود (ع الصفر)، وفوجئت بحجم (الفشخات) الموجودة في رأسه، لكن الغريب أنها كلها متموضعة في المنطقة الخلفية، وهذا يدل على أنه أصيب بها جميعها وهو في لحظة هروب وليس مواجهة، ولكنه بررها بأنها حوادث سيارات، وأنا أخبرته بأني واثق من شجاعته..
أغرب ما في الأمر هو الشارب، فهو موزع بين اللون البرتقالي في الجهة اليمنى، واللون (الباذنجاني) في اليسرى، وحين تشاهده تبتسم وتكبت الضحكة، والرجل يظن أن اللقاء به.. فرج أساريري، وأنا أشعره بهذا الأمر وأخجل أن أقول له بأن شاربك يشبه زي نادي (أندر لخت) البلجيكي.
ملف التهرب الضريبي, يشبه محاولات استعادة أبو محمود الشباب، وهكذا الدولة الأردنية في كل اجراءاتها السابقة في ظل الحكومات التي عبرت، كانت مثل أبو محمود تحاول.. أن تبرز أنها دولة فتية قوية وجادة وحديثة... لكنها فشلت وأبو محمود هو الاخر فشل في أن يكون فتياً، وبالتالي الحل كان: (الحلاقة ع الصفر)... صحيح أنها تبرز تاريخ أبو محمود المرتبط بالهروب، وتبرز أيضاً تاريخ حكومات مرتبطاً بالهروب من مواجهة (الهوامير).. إلا أن الحقيقية تقول: إن الشعب يحب أن يرى.. هؤلاء الذين حاولوا أن يصبغوا أموالهم بالصبغة الوطنية، وتبين بعد رحيل العمر أنها.. إما غسيل أو تهرب أو كسب غير مشروع...تماما مثل (فشخات) أبو محمود التي تدل على أنه أمضى العمر هارباً.. حتى من عمره الحقيقي..
في النهاية... المال الحرام، والصبغات.. كلها أمور مؤقتة، فمقص الحكومة أو مقص الحلاق يستطيعان تعرية الحقيقية تماماً.