قالت الكاتبة هناء البواب ان "المثقف هو ابن الشارع وابن المجتمع، وأخ للفقراء ويشعر بوجعهم، فحين يكون ذكيا في طرحه وكتابته سيكون أكثر تأثيرا بالناس".
واضافت البواب "كورونا ذلك الكائن العجيب الذي قلب كيان العالم في لحظة لم تكن في حسبان واعتبار العالم، حيث تمكن الفيروس الكوفيدي من اجتياح كل منزل وقلب وحياة، ولم تكن متغيراته عادية، بل هي من جنح خيال حوّل الأمن كله إلى سطوة الجلوس في المنزل".
الرأي التقت البواب في الحوار التالي:
-كيف تقضي يومك وسط هذه الأجواء والتدابير الحكومية الهادفة إلى حماية المجتمع من فيروس كورونا
كل شيء تغير في هذه اللحظات، فلم نعد نحن كما كنا، ولم تعد قدرتنا على الحياة كما نعرف، أجد هناك على السريرِ جثةٌ تشبِهني، نعم في هذا الزمن تلك الجثة تشبه قلبي، فهي تحدق نحو السقفِ، يكتظ المكان بالأفكارِ الميتةِ، تلك الأفكار الكورونية التي تضرب الجدران ككرةٍ مطاطيةٍ لا تتوقف أبدًا، ترتطم بالسقف فتعود لرأسي، محاولةً الهروب نحو جنةِ الرؤوسِ الفارغةِ في البيت الذي يحبسنا جميعا، الخزانة تفتح أبوابها لحفنةِ المعقمات العالقة بقميصي، وتطرد رائحة الفرح من جسدي، إنها المخالب التي تشوه وجه الوجود، أحاول فتح عيني لكن الأمر صعبٌ، كل شيء حولي هو الموت المنتظر، كل من في الحظر الصحي ينامون فوق جفوني، لكن من أجل الضوء، الحب، الموت نتعب اليوم...فنحن لم نتعود أن تسيطر علينا أحاسيس الفراغ، لم نتعود أن نبحث عن شيء نفعله كل يوم وكل لحظة، ونحن المتخمون بكل مشاغل الحياة صباحا مساء، لم أكن أفهم معنى أن تستيقظ فلا تجد ما تفعله، وأن تحاول أن تخلق نمطا جديدا لحياتك.
أحاول تمضية الليل، وفي ليالي حظر التجوال خصوصًا، أفتح الدرج أمامي لأخرج روايات كثيرة، أمسك إحداها، أقلب صفحاتها، يصيبني الملل، أترك الرواية وأفتح جهاز الكمبيوتر محاولة قراءة ديوان شعر بصيغة الـ" بي دي إف" مترجم عن الفرنسية للشاعر جلبير مونتيني.. مزيد من الملل، أشعر بضيق أكبر، أهرب من كل هذا بفتح أحد ألعاب كرة القدم أونلاين وأستغرق فيها، وانا التي لم تتابع الرياضة يوما، أو لم تعرف سوى صرخات الجمهور خلال المباراة، ولكني حاولت التسلّل من ملعب الفراغ لأحتفظ بنصف عقل لليالي الحظر الطويلة.
أرفع وجهي عن اللعبة، أفتح صفحتي على الفيسبوك، أبحث بين صوري القديمة، صور للعديد من الأصدقاء بمدن مختلفة، أصدقاء في مصر وتونس وقطر والكويت والبحرين وتركيا والمغرب ونصف العالم الذي زرته، أتذكر المعارك الصغيرة التي خضناها سويًّا أيام الحب والضحكات المتتالية وما تلاها من أحداث.
هل كنت أخوض هذه المعارك كلها بنصف قلب أم بنصف عقل؟!!
لا يزال ليل الحظر ثقيل وطويل، ولا يوجد ما يقطعه انتقاما منه، أفتح دفتر مذكراتي اليومية التي أحتفظ بها دائمًا بجيب خفي داخل حقيبتي الصغيرة، لم أستطع تمزيقها والتخلص منها كما نُصِحت، أبدأ في مطالعتها بشغف، ولكن ليل الحظر طويل جدا، وكيف لي أن أحتفظ بنصف عقل.
-بوصفك مثقفا.. هل عملت هذه الأزمة والأحداث الراهنة على تغيير مفاهيمك تجاه الحياة والعصر الراهن والصراعات الدائرة فيه؟
الصراعات مفبركة لتجعل عقولنا تفكر فيها فقط، ولانفكر في حياتنا التي نعرف، ولا في موجة الصراع التي تخوضها الحياة تجاهنا، ولكني للحظة ما أدركت أن الحياة وحدها التي تصنع الفارق بينك وبين العصر الراهن، فأنت مرهون لها دوما، وفجأة تجد نفسك مختلفا جدا عما تعودت، وعما تعرف، وعما تدركه حواسك.
تتغير المفاهيم والأفكار والأشياء من حولنا لنجد أنفسنا في دائرة الوحدة والعزلة التي تجبرنا على قبول الآخر الذي ربما نهرب منه دوما، ولكننا اليوم مجبرين على وجوده في حياتنا وأمام أعيننا.
هذه المتغيرات جعلتنا فجأة ننظر للعالم من زاوية الوحدة والفراغ، فأنت محكوم عليك بالسجن، الذنب هو عدم التعقيم المستمر طوال سنيّ عمرنا، وكأن هذا الفيروس يريد أن يقتصّ لنفسه ولعائلته من بني البشر.
الجميع يعتقد أن الحجر قربنا اجتماعيا ونفسيا، ولكن الأمر بالعكس تماما، الحجر الصحي كان شعاره ( التباعد الاجتماعي) تباعدنا اجتماعيا ونفسيا و جسديا، أصبحنا كمن يحاول الخروج من الزجاجة أولا ليستعين بالهواء ويسرقه.
اقتصاديا كل منا يملك في جيبه ماله الذي بات يخاف على الإنفاق منه، وكيف له أن ينفق ما دام لا يعرف هل سيأتيه الرزق لاحقا.
الوقت يأكل كل شيء ماعدا لفظة الموت المحقق، الحياة تخنقنا، والتفكير اللعين في كل زاوية يهشم قلوبنا وأسماعنا.
-هل دفعتك أزمة كورونا إلى الكتابة حولها؟
ما من كاتب يدرك أن الوقت سيفوته دون أن يدون كل تفاصيل حياته إلا ويخاف فوات اللحظة، نعم كتبت كثيرا بعنوان ( أحاسيس معقمة) فكل شيء حولنا معقم، حتى مشاعرنا أصبحت معقمة وتخلو من الفوضى التي تعودناها، ومن رائحة الأحضان التي نفتقدها، كتبت عن غرفتي التي تعرفت تفاصيلها حين سهرت طويلا أقطع الوقت لئلا أستيقظ باكرا، لأن الصباح بلاعمل وقت مهدور من حياتنا، ولأنني مع الكورونا سمعت أصوات دبيب النمل، وعرفت مهارة الذبابة وهي تطير، واكتشفت إبداع السلحفاة في تباطؤها لأنها ليست متعجلة على الموت، كل ذلك دفعني أن أدون مشاعري المعقمة في يوميات ستنشر قريبا.
كورونا ذلك الكائن العجيب الذي قلب كيان العالم في لحظة لم تكن في حسبان واعتبار العالم، حيث تمكن الفيروس الكوفيدي من اجتياح كل منزل وقلب وحياة، ولم تكن متغيراته عادية، بل هي من جنح خيال حوّل الأمن كله إلى سطوة الجلوس في المنزل.
البيت يصبح مرتبكا جدا، بالرغم من محيطه الهائل إلا أنه يتحول إلى سجن تنحصر فيه عصافير تتخابط بأجنحتها في قفص، الأكتاف ترتطم ببعضها البعض، نحس بأننا نختنق، لا طاقة لي على هذا الحصار، كل ما حولك يذكرك بالموت، بل يدفعك تجاهه وأنت محجور عليك قسرا وقهرا، حيث لا شيء يعفيك من الحديث عن كوفيد 19 الملعون، هذا الفيروس الذي دخل إلى السرير والحلم وشاشة التلفاز، صار لدي رغبة في تحطيم كل شيء، كل ما حولي يشعرني بالغثيان، رائحة المعقمات التي تفقدنا رائحة العطور، أصبحت أحاسيسنا معقمة مثل أكفّنا الباردة من استخدام الماء المستمر، فأنت لا تتوقف عن غسل يديك وجردهما كلما هممت بمسك ورقة أو قلم، أو حتى إن مرت ريح أحدهم بجانبك.
-هل ساهمت الظروف الراهنة في توجيه قراءاتك أو إعادة ترتيب تفضيلاتك في القراءة؟ وماذا قرأت لو تقرأ الان؟
لا أفوت لحظة دون أن أبحث عما يفيدني، ولكن كانت اللحظات تُسرق من يديّ لأصل للكتاب وأنا مرهقة التفكير متعبة الحواس، اليوم أبدأ به وأنا بكامل حواسي ورغبتي في القراءة المتكاملة جدا، والتي تدفعني دوما للبحث عن الجمال والانتصار له.
حاليا أقرأ ديوانا في العشق الصوفي، مختارات من نثر وشعر المتصوِّفة في موضوعة العشق، من القرن الثَّاني للهجرة إلى وقتنا الحاضر، من اختيار وتقديم الشاعر السوري أمارجي، وتتضمن المختارات نصوصا لأسماء كبيرة في التصوف مثل الحسن البصري وسفيان الثوري وابراهيم بن أدهم ورابعة العدوية وبشر الحافي وسعدون المجنون والجنيد البغدادي وعبد الله الانصاري وفريد الدين العطار وشهاب الدِّين عمر السُّهْرَوَرْديُّ .
وهذا الديوان هو النُّسغ المُهتاج هو العِشق. هو اللزوجةُ الحارقة التي حلَّت في النَّاي. والنَّايُ، في عُلْوِه وإطلاقِه، هو، تمثُّلاً، مكانُ نفخِ الوجود، فضاءُ الدَّفق الطَّلْعي، جوفُ الملاقاةِ الليليَّةِ بين “طس” العاشق و”طس” المعشوق. إلى هناك، حيث اللغة ليست بعدُ نظاماً متجانساً، تمضي اللغة الصُّوفيَّة، وتُقِيمُ جسدَها في ذلك السَّائل الدَّاخليِّ نفسِه، لتقدِّمَ لنا فكرتَها اللامألوفة عن اللغة. العشقُ واللغةُ الصُّوفيَّةُ، إذاً، حلَّا في النَّاي نفسِه؛ تجدَّلا وتلاحما معاً، حتَّى أصبحا المحرِّكَ الوجوديَّ نفسَه، وكلُّ ما يصدرُ عن ذلك النَّاي مِن حيٍّ ومتحرِّكٍ إنَّما هو، في آنٍ واحدٍ، صدى ذلك العشق ولهيبُ تلك اللغة.
-هل تعتقدين أنه سيكون هناك ادب يسمى ادب كورونا؟
بالطبع هناك أدب الجوائح، وكورونا الجائحة التي أشغلت العالم من مطلع عام 2020 وحتى منتصفه، ولاتزال ولا نعلم إلى متى، فكل من أدرك وجعه فيها، وتمكن من استطلاع حياته تماما هو الذي يدرك اليوم أنه متمكن من كتابة يومياته قبل أن تفوته اللحظة، ويفسد شعور العزلة والوجع وقراءة الأعداد التي نتابعها يوميا.
-برأيك. ما هو دور المثقف في هذه الأوضاع.. هل بإمكانه انه يساند الاجراءات الحكومية في زيادة وعي المواطنين وتعزيز قيم الصبر والتحمل والتكافل والسلوك الترشيدي . وكيف؟
في أي موقف وأي مكان الكلمة هي صاحبة الحق الأكبر، وقد يتقبل الشعب من المثقف الواعي ما لا يتقبله من ناصح حكيم، وذلك أن المثقف هو ابن الشارع وابن المجتمع، وأخ للفقراء ويشعر بوجعهم، فحين يكون ذكيا في طرحه وكتابته سيكون أكثر ذكاء في تأثيره بالناس وتوصيل مايريدون توصيله للحكومة، فلحظتها يتنفس المواطن الصعداء ليقول : " هذا ما أردت قوله .
-كيف تجاوزتم من خلال بيت الثقافة والفنون تبعات ازمة كورونا على المشهد الثقافي المحلي؟
بما أننا حرمنا من الاجتماع، وفرض علينا التباعد والحجر، فقد أنشأنا منصة نبض البيت للتواصل اليومي لإقامة الفعاليات الثقافية بشكل مستمر يومي لاغنى لنا عنه وعن لقاءاتنا المستمرة.
ولأن لبيت الثقافة دوره في جمع كلمة مجموعة ليست سهلة من الكتاب طرحنا فكرة مناقشة كتاب يومي، والتحدث حول مفاده وعبره، علاوة عن اللقاءات الالكترونية الاجتماعية التي نتحاور فيها في الشأن الكوروني العام.