عملية مكافحة الفساد في الأردن قديمة ومستمرة، فهي احدى ضرورات المحافظة على السلوك العام للمواطنين وخصوصاً الذين يشغلون مناصب عامة او المؤتمنين على المال العام، لكن هذه العملية تشهد صعوداً لافتاً بين فترة وأخرى تبعاً لضخامة القضايا من حيث حجم المال المنهوب ومكانة الأشخاص المتهمين بالنهب.
أعتقد أن الأسلوب المتبع في الإعلان عن التحقيق في قضايا الفساد وما زال ولو بشكل غير مقصود غير مهني أو منطقي، فلا يجوز ان تحل التسريبات محل الإفصاحات ولا يجوز للدولة أن تتردد في تطبيق القانون إذا كانت تمتلك من الأدلة ما يكفي لإحالة المتهمين الى القضاء.
معظم قضايا الفساد التي أحيلت الى القضاء كانت القصة تنتشر بين الناس قبل الإحالة وذلك من خلال تسرب اخبار كما يتسرب الماء من إناء مشعور عن عزم دوائر مكافحة الفساد شن حملة على فاسدين اثروا بطرق غير مشروعة، وتحت هذا التوصيف تتعدد أشكال الإثراء التي من بينها اختلاس المال العام او استغلال السلطة أو الغش في تنفيذ المشاريع بشكل مخالف لمواصفات وشروط العطاءات التي حصلوا عليها أساساً دون وجه حق وبتنافس غير عادل مع اخرين ليسوا من اصحاب النفوذ ولا من اصحاب اصحاب النفوذ.
وكما في كل قضايا الفساد يتحول التسرب الى تدفق للأخبار التي تتضمن ارقاما مليونية واسماء شخصيات كبيرة وبسرعة البرق تنتشر قوائم الاسماء والمبالغ المنهوبة، وبالطبع ليس كل ما ينشر صحيحا وموثوقا ولكنها عادة أردنية تعبر عن وجع الناس والرغبة في فضح الفاسدين.
وعند صدور اية اخبار رسمية فان هذه الأخبار تبعث جواً من التفاؤل في نفوس المواطنين الذين تتأكد ظنونهم السابقة حيث لا دخان بلا نار، فهم يعرفون «البير وغطاه» في مجتمع ليس صعباً على أفراده معرفة أدق التفاصيل خصوصاً ما يتصل بثروات من اثروا بلا ميراث ويدعون ان عزّهم قديم كابراً عن كابر وهم فالحقيقة محدثو نعمة نهّابون، الأصح ان يقال عنهم (كابر عن صاغر).
محاربة الفساد مسؤولية الدولة، فهي التي تستطيع ان تعرف الادلة التي تدين الفاسدين وليس المواطن الذي لا يملك سلطة الإثبات، لذلك فإن التقصير في ترك الفاسدين يسرحون ويمرحون ويراكمون المال السحت يقع عليها بدليل أن كل كلام الناس عن الفساد والفاسدين لم يوقف النهب ولم يُخف فاسداً واحداً.
لا تدرك الحكومة أن ثقة المواطن فيها تقل أو تضمحل كلما طالت المسافة بين ظهور علامات الإثراء غير المشروع وبين تحركها ضد الفاسدين وتزيد إذا ما قصرت هذه المسافة، ولعل التعبير العفوي «صح النوم» و«الطيور طارت بأرزاقها» الذي يأتي بعد طول انتظار لاكتشاف المكشوف يشير الى انعدام الأمل في تحصيل المال المنهوب الذي يكون قد ذهب إلى أمكنة لا يعلم عنها الذباب الأزرق.
إن المواطن يثق بالقضاء ثقة كبيرة ويطمئن الى حمايته للحقوق العامة و الخاصة، لذلك يعتبر ان اي بطءٍ او تردد في احالة الفاسدين الى القضاء ليس تواطئاً فقط بل تشجيع لهم بالاستمرار في اساءة الأدب بعد ان امنوا العقاب.