الأردن بعد الجلاء توجه الى التحالف مجددا بعد انهيار حلف بغداد، كان هزاع المجالي مصرا على أن مصلحة الأردن مع حلف بغداد لحماية الأردن، عكس البعض الآخر، وله كتيب يشرح ذلك رغم عدم الاقتناع الكامل، قبل الانقلاب الشيوعي على النظام الملكي الهاشمي هناك، وبدء مرحلة الانقلابات المتتالية، وهذا ما جعل الملك الحسين يقلب الصفحة فورا نحو الولايات المتحدة التي برزت كقوة عظمى، وأصبح الأردن حليفا لأميركا بالتزامن مع الحلف الأقوى ما بين واشطن والكيان الإسرائيلي العدو آنذاك للأردن، وهذه مرحلة جديدة من مراحل التقدم الأردني للبقاء على قيد الحياة في ذلك الوقت.
حدثني الأمير الحسن بن طلال قبل سنوات عن زيارة قام بها الحسين عام 1966 الى إمارة خليجية رافقه فيها الأمير والشريف حسين بن ناصر رئيس الوزراء، وكيف أن الطائرة هبطت على مدرج وسط رمال، وكيف نام الأمير والشريف في "براكية" مبنى من الزينكو الحديدي، وماذا فعل البعوض بهم بطريقة فكاهية، وكيف كان استقبال الشيخ وأفراد الأسرة هناك لهم بكل بساطة وصدق وعفوية يتمناها الأمير في ساعة الرواية، وكان الإنجليز أيضا هناك،بعد خمس سنوات أصبحت الإمارة تلك دولة متحدة وعملاقة تجاوزتنا بسنوات طويلة من الناحية النظرية بفعل الثروات النفطية واستقطاب الخبرات من أصقاع العالم.
اليوم ونحن نناهز المئة عام، وثلاثة وسبعين عاما كمستقلين، وثلاثة أشهر من أزمة كورونا كمرضى محتملين، وبعدد إصابات لا تذكر ووفيات لم تتعد العشرة وفيات بحمد الله ومقارنة مع نسبة الوفيات الطبيعية لأمواتنا خلال هذه الفترة، نرى كم أهدرنا من الفرص للتعاطي مع منحنى الخوف المرعب الذي دب في أوصال الجهاز الحكومي وانعكس على المواطنين وكأنه تيار كهربائي صعق الشعب بمجموعه، وقلب الهرم الاقتصادي رأسا على عقب، وأشغل البشر بانفسهم حتى ضاقت عليهم جدران البيوت وخسر الأغلبية مصادر أرزاقهم واعمالهم التي تدر ضرائب تقتات عليها الموازنة، ثم لم يظهر أخيرا أي جدوى من إبقاء الإغلاق في ظل تحاشد الناس بالأسواق، وضياع بهجة رمضان والعيد.
الخائف والمتردد والمستجد على الصنعة لا يمكنه أن يبتكر حلا ولا حتى يفكر بطريقة صحيحة منظمة يستطيع من خلالها خلق مرحلة تعايش جديدة أقل ضررا على بلد لا يملك أكثر مما أهدر، وهذا يتطلب جراحات لعباقرة يصنعون فرقا، وتبرز الحاجة الى مفكرّين لا متعهدي أعمال، فأجهزة الدولة قامت بواجبها على أتم وجه، والكوادر قدمت ما عندها، وبقيادة جلالة الملك تمت محاصرة الكثير من الخطوات التي كانت ستفشل لولا متابعته.
وهذا يجب أن يجبرنا عن التروي لانتقاء مسؤولين يفكرون لا يكررون فشل من سبقهم ويجعلون البلد مختبرا والشعب فئران تجارب، وهذا ما أثبت أن الفشل جاء عندهم بالوراثة الوزارية، والحمدلله أنهم لم يكونوا في زمن الاستقلال وإلا لما كنا نحتفل اليوم بذكرى الاستقلال.
كل عام وأنتم والوطن بخير.