كتاب

العمر الحقيقي للدولة الأردنية



لا يختلف اثنان على أنّ العمر جزء لا أكثر من معايير قياس الخبرات والقدرات.

وحتى نعي العمر الحقيقيّ للدولة الأردنيّة، لا بدّ من مقارنة الظروف والأحداث التي واجهها هذا الوطن وقياس صعوبة المشوار ودقّة الخطا أثناء المسير على الصفيح المُلتهب.

وتماما كما هو الفرق بين إنسانٍ نشأ في بيئة مستقرّة في ظلّ ملاءة اقتصادية وآخر ترعرع في بقعة شحيحة الموارد يجاورها عدوٌّ أزليّ وتحيطها النزاعات يظهر الفارق بين عمر الدولة الأردنية وغيرها، فالأوّل أسّس بنيانه على قاعدة جاهزة صلبة والآخر أرسى قواعده على رمال متحرّكة في قلب العواصف صانعاً أسلحة وأدوات بقائه بمفرده، فلا يستقيم القول بتساوي عمر أيّ من أولئك مع الآخر نظراً لما عاناه الثاني وقاساه في سبيل البقاء، لا بل أبعد من ذلك طموحه للتميّز لا الوجود فقط.

ومن هنا، كان العمر اللّازم للبناء أكثر طولاً وأكبر مشقّة، فالإنطلاق من الصّفر ليس كغيره، وكان جبراً على الأردنّ أن يستخدم كلتا يديه بلا كللٍ أو ملل، إحداها تبني والأُخرى تحمي، فثمن الاستقرار أعلى ممّا هو مُتخَيَّلٌ ضمن الظروف التي أحاطت و تحيط بنا، فهو أشبه بالجبل الجليديّ، ما يظهر منه على السطح بصورته النهائية لا يوحي أبداً بالجهد المضني والحسابات متناهية الدقة في كواليس مصنع القرار التي تشكّل قاعدته المخفيّة المقاومة للتيّار، ومعيار تمييز صلابة البنيان من عدمها هنا هو في الشّكل النّهائيّ للهرم، فإمّا ثابتٌ مُستقِرّ أو مقلوبٌ تهزّه الرّيح وتقلبه ربّما.

لم يترك التّاريخ السّياسيّ شاردة أو واردة إلّا وأظهرها، وفي مسيرات الأمم والحضارات تتبيّن أسباب النجاة أو الزّوال، وتظهر من الفوارق ما يعزّز المنعة أو يخدم الهوان، فبين ترسيم الحدود داخل طبقات المجتمع بالجبر والقوّة وبين تمتين الرّوابط لتشكيل البنيان المرصوص فارق شاسع ومهمّة تبدو مستحيلة، لكنّ الجهد المضني المخلص مضمون النتيجة في مجتمع محكوم بالمحبّة لا الخوف يشدّ بعضه بعضاً، وهذا ما يفسّر تميّز الأردنّ في الأزمات وبروز معدنه النّقي، السهل الممتنع العصي.

تلك المعادلة الصعبة والنّادرة في الغالب، قامت على لاصق ممزوج المتضادّات والمتناقضات، وربّما كان أصعبها وما زال هو النّأي بالداخل عن نيران الخارج والمحيط مع انفتاح كامل لا إنعزال، وتلك المعادلة العجيبة أتت بنتائج أكثر عجباً وتعجُّباً، فكان التسامح سيّد الموقف ما لم يصل الخط الأحمر الذي ينعكس فيه التجاوز على عقيدة الشّعب وسلامة الدولة ومقدراتها فيكون عندها الحزم بالمرصاد، في دولة قاتلت وحيدة وتسامَت عن الكثير فكظمت غيظها ما استطاعت وعَفَت عند المقدرة، وما انفكّت تمدّ يدها لتُعين الشّقيق والصّديق ومن حاصره الخوف والضّيق، ضابطة إيقاع أمنها بقبضة حديديّة حانية في الوقت ذاته.

لما تقدّم وأكثر، فإنّ الرّهان على المستقبل الأردنيّ هو تحصيلٌ حاصل في وطنٍ بُني على الحقّ لا الباطل، ونتيجة طبيعيّة لدولة لم تعرف الرّاحة يوماً، فهي وإن احتفلت بمئويّتها رقميّاً قد جابهت ما يساوي قروناً من الزّمان إذا قيس العمر بالجهد، فما واجهت من أزمات ومحن، ما ظهر منها وما بطن، لا يفسح للشكّ مجالاً بأن عودُها قوي متين، نظامها حصينٌ وشعبها وفيٌّ أمين.

حمى الله الأردنّ قيادة وشعباً