يواجه الأردن ظروفاً صعبة وبصورة متواصلة منذ الأزمة المالية العالمية 2008 ومن الممكن وصف العقد الأخير بأكمله بالعقد الصعب، ولكن هذه ليست المرة الأولى طبعاً، فالأردن يمتلك خبرات سابقة، وعايش الخمسينيات الصاخبة والتسعينيات الهادرة، وفي كل مرة كانت الدولة تستطيع التأقلم، وبالمناسبة فأخبار الضائقة الاقتصادية ليست جديدة، وترددت وتكررت مرات ومرات حتى أنها أصبحت من لوازم الحديث الروتيني الذي تشهده مجالس الأردنيين العامة والخاصة.
هل ستذهب الأمور إلى الأسوأ أم سنشهد مرحلة من التحسن؟ الإجابة على السؤال ليست ممكنة في المدى القريب، والمهم حالياً تجنب جبل الجليد، بمعنى عدم المغامرة بتعريض الروافع الوجودية للأردن لأي مغامرة، وهو ما يشكل نقطة اتفاق عميقة بين الأردنيين، وداخل حدود الاختلاف الصحي يكمن حديث ساخن جداً حول ما الذي يتوجب علينا أن نفعله لاحقاً.
لن يستطيع الأردن أن يسبح ضد التوجه العام للعالم بعد أزمة كورونا، بمعنى العودة إلى أنماط اقتصادية واجتماعية كانت سائدة في الثمانينيات، وهو ما تعارضه تيارات واسعة عملت على تمهيد الواقع المحلي ليتواءم مع متطلبات سباق العولمة الذي أخذ يتلقى الكثير من الضربات الموجعة منذ الأزمة المالية العالمية، والتحول المرتقب مثل أي تحول آخر ينتج أنصاراً متحمسين ومعارضين متعنتين.
اضطر الأردن خلال العقد الأخير إلى التركيز على حكومات اقتصادية الطابع، أو تحرياً للدقة، إدارية، بمعنى التسيير والترحيل ليستمر القارب في رحلته، واليوم، على الرغم من الضغوط الاقتصادية الكبيرة وغير المسبوقة تبدو الحاجة إلى حكومة سياسية تستطيع أن تنتج تحولاً اقتصادياً جذرياً، والحديث عن التوقيت المناسب يبقى هو المساحة المتاحة، فالأردن مثل غيره من الدول عليه أن يعيد هيكلة بنيته الاقتصادية لتتلاءم مع توجهات عالم ما بعد كورونا.
هل يدعو ذلك للقلق؟ بداية تجاوز الأردن مشكلة الربيع العربي التي شهدت تشابكاً بين الاجتماعي والاقتصادي، واليوم تواجه تحدياً اقتصادياً في ظل دعم اجتماعي يتطلع إلى أن تكون الأزمة الراهنة محطة تغيير مهمة تشابه ما اعتاده الأردن سابقاً بعد الأزمات الكبرى التي واجهها، ولا يوجد ما يدعو للقلق إلا الذي يعبر عن فئات كانت استفادت أصلاً من الأوضاع التي سبقت كورونا، وهذا صراع لا تكاد تخلو منه دولة في العالم اليوم.
ليس متوقعاً أن تنحصر الجدالات الساخنة، وبعضها لا يمكن تأجيله، والمنهج الإداري يجب أن يتكامل مع منهج سياسي للتخفيف من وطأتها، فالأردن بحاجة لاستعادة بعض الإعدادات الرئيسية التي يتضمنها العقد الاجتماعي القائم، وإعادة ضبط البوصلة على ايقاع التحديات الجديدة.