تختلف الصحف عن الأدوات الأخرى من المصفوفة الإعلامية لأي دولة، فهي ليست مجرد ناشر للخبر، فهذه الوظيفة تناط أساساً بوكالات الأنباء ونشرات الأخبار المذاعة والمتلفزة، ويمكن لموقع مثل تويتر أو فيسبوك أن ينجز هذه المهمة إذا كانت الغاية من العمل الإعلامي هي الإشهار، أما إذا كانت المسألة تتعلق برؤية تتطلب إحداث تأثير على المجتمع، فالأمر يختلف كثيراً.
يوجد سؤال محوري قبل استكمال الحديث عن الصحف، ورقية كانت أو غير ورقية، بوصفها مؤسسات في المرتبة الأولى، وحديث عن الصحف التي تأسست بدعم من الحكومة في الأردن، وما زالت الحكومة تحضر في إدارتها من خلال مؤسسة الضمان الاجتماعي، والسؤال حول الدور الذي تراه الدولة لنفسها، فهل دور الدولة اليوم قيادة المجتمع أم أن دورها ينحصر في تنظيمه؟
إذا كان الأمر يتعلق بالتنظيم، فالمجتمع أيضاً يمتلك أدوات تنظيمية، ويمكن الحديث وبنفس المنطق عن إعطاء الفرصة لاستعادة القانون العشائري والتدخل فقط عند وجود الحاجة لتهذيب أحكامه، وبذلك تصبح الدولة وراء المجتمع، ويصبح الحديث عن تطور المجتمع ضرباً من الرومانسية وتورطاً في النوايا الحسنة.
الدولة في المنطقة العربية، وفي منطقة أوسع من شرق العالم، لعبت دوراً أساسياً في بناء المؤسسات التعليمية والإدارية، وقادت عمليات تحول صناعي ضخمة في مجتمعات زراعية وتجارية، واستطاعت أن تتقدم بحقوق المرأة ودون الدولة لبقيت الإناث كما يحدث في أماكن واسعة من الريف مستثنيات من الإرث أساساً ولا حديث عن إلحاقهن بالتعليم بوصفه إلزامياً، وما زالت الدولة أمام مسؤوليات جسيمة كثيرة، وحتى الحديث عن الإصلاح السياسي، وخاصة بعد موجة الربيع العربي، يرتبط بدور الدولة ودعمها لعملية الإصلاح، وبذلك تحتاج الدولة، أي دولة، وليس الأردن بطبيعة الحال، إلى مزيد من الأدوات، لا أن تتجرد من أدواتها القائمة أصلاً.
المؤسسات الصحفية الكبرى تؤدي دورها، وهو دور لا يطغى ولا يزيح أحداً، ولكنه دور مهم في ضبط العملية الإعلامية، وما زال الكاتب الذي يعاني يومياً من استقبال شائعات كثيرة عبر مواقع وتطبيقات التواصل، ينصح بعدم اتخاذ أي رأي أو موقف قبل أن يجد الخبر منشوراً في صحيفة يومية، أو على الأقل في موقع إلكتروني يكتسب صفة المؤسسية، فالشكل والممارسة المؤسسية تضفي على الحقيقة الموثوقية الضرورية، وتصنع قدراً ضرورياً من المسؤولية في العمل الإعلامي، والحديث عن الجرائم الالكترونية ودورها في تنظيم المشهد ومفرداته لا يعدو كونه تفاؤلاً مفرطاً ولا نستخدم وصف سذاجة، فما الذي يمكن أن يفعله أصلاً مع من يقوم بالنشر من خارج الأردن؟
التخلي عن الصحف اليومية، يؤشر إلى دولة تعمل دون استراتيجية، أو تقوم بإناطة مهام أبعد من الحكومة المتغيرة للحكومة، والحديث لا يجب أن ينحصر على الصحافة ولكن يجب أن ينسحب نفس المنطق على الثقافة وعلى التعليم وغيره من مجالات قيادة المجتمع التي لا يجب أن تبقى رهناً برؤية وزير يأتي بمشروع ثم يرحل حتى قبل أن ينفذه ليتسلم المسؤولية وزير آخر برؤية مغايرة تماماً، فهذه الوصفة تقتل أي محاولة لتحقيق التراكم الضروري من أجل التقدم، وتوليد النوع المطلوب من الكم المتوجب تحققه أولاً.
هل نلقي باللوم على الدولة وحدها؟ بالطبع لا! فالصحف اليومية، وأكرر وصف اليومية، وليس الورقية بالضرورة كيلا تضيع البوصلة، مطالبة بأن تحصل على شخصية، تجعلها تختلف من حيث المبدأ عن الأدوات الإعلامية الأخرى، بحاجة إلى التجديد والابتكار، بحاجة إلى مراجعة المحتوى، إلى انتهاز الفرصة في كل مناسبة، إلى العمل على الملفات الموسعة والتحقيقات، بحيث تصبح على أولوية القارئ، ويحتفظ بأعداد معينة وكأنه يضيف كتاباً جديداً لمكتبته الشخصية.
نظلم الرأي أو الدستور أو الغد عند المقارنة بالواشنطن بوست أو التايمز، ولكن أليس من حق الأردن أن يتطلع إلى أن تمتلك دولته جميع الأدوات الضرورية من أجل صناعة التغيير وإحداث التقدم، وبالمناسبة، على من يرى أن الصحافة الورقية تتغيب أن يراجع نفسه، فالورق ليس سوى وسيلة، أما ما يحتاج الدعم والاستثمار فهو الصحافة اليومية، وحتى الهجمة على الصحافة الورقية فيكفي لنقضها المشي لبعض الوقت في أي مدينة أوروبية لتجد صحفاً مجانية توزع بصورة يومية وتلقى دعماً من المجالس البلدية والشركات العاملة وذلك للتعبير عن المجتمع ووحدته ودوره وتطلعاته.