... في هذه الأزمة أنت وحدك..ما من شقيق عربي يرسل لك عبر طائراته أموالا لسد عجز الميزانية، وما من مؤتمر يعقد لنجدة الأردن، وما من قرار تصدره جامعة الدول العربية.. يدعو البنوك في عواصم النفط لدعمنا، وما من فزعة لشقيق أو ابن عم.. أو صندوق عربي لديه فائض من المال.
نعذر إخوتنا في الخليج، نعذر السعودية الشقيقة الكبيرة.. فلديها أيضا مشكلة مع هذا الوباء، ونعذر الإمارات، ونعذر عواصم الخليج التي تقاتل هذا الوباء مثلنا.. لن نلوم أحداً، بل سنشكرهم لأن إعلامهم على الأقل، نقل صورة كفاح ونضال وصبر الأردني..
ولكن لدي سؤالا لرئيس الحكومة عمر الرزاز، وهو سؤال ليس في باب النقد.. لا الهجوم ولا التشفي.. هو سؤال برسم القلق والتعجب، لماذا في أزمة مثل كورونا التي تعتبر الأخطر بعد الحرب العالمية الثانية، تنجح الدولة.. وتظهر معادن الرجال ويتكاتف الكل خلف الملك.. وننتج مشهدا عالميا حقيقياً، في حين أن إيطاليا التي يبلغ قيمة دخلها القومي من شركة (فيات) وحدها عشرات اضعاف ميزانيتنا.. انهارت أمام هذا الوباء !
لماذا نطوي كورونا، بالمقابل نفشل في إنتاج اقتصاد، لايجعل الناس تئن من أجل لقمة الخبز.. لماذا نفشل في كبح جماح التضخم، ونفشل في منع تفاقم المديونية... ونفشل أيضاً في إنتاج ميزانية متوازنة للدولة خالية من العجز؟
غريب أمر الأردن، يتفوق على المنظومة الأوروبية كاملة، في التعاطي مع داء قاتل بغيض.. بالمقابل يظل عاجزاً عن انتاج اقتصاد، يكفي أولاده لقمة الخبز.
دولة الرئيس..
الآن لا يوجد طائرات، تنقل وفودنا المالية إلى فرنسا لجدولة الديون، ولايوجد جولات مكوكية في عواصم الخليج لطلب المعونة... ولا نستطيع إرسال وزير للعراق، كي يجدد اتفاقياتنا التجارية... والحكومة كلها في عمان وكلها ملزمة بلبس الكمامات... والداء لايفرق بيني وبينك.. بين أولادي وأولادك، ومع ذلك كله.. نوفر الرواتب، ونوفر المؤن... وننتج نموذجاً عالمياً ربما ستستورده منا دول كثيرة... أتدري أن الإجراءات الأردنية، صارت تلفت نظر العالم.. وصار البعض يقلدها ويحذو حذونا..
أتدري دولة الرئيس أن الشرق الأوسط الان كله، بما فيه إسرائيل، يتابع كل يوم خلية الأزمة ومركز الأزمات وطريقة تعاطي الدولة مع هذه المعركة، ويحاول خجلا أن يسير على النموذج الأردني الذي لم يستورد، ولم يأتينا كوصفة خارجية مثل وصفات صندوق النقد الدولي... بل أنتجته عقول وسواعد أردنية...
دولة الرئيس..
لو كنا نملك ربع الهمة التي واجهنا فيها كورونا، في تفعيل اقتصادنا... وانتاج مشهد جديد له.. أجزم أننا وقتها لن نحتاج صندوق النقد الدولي ولا الاقتراض، على الأقل النموذج الأردني في مواجهة كورونا... هو منتج محلي خالص، ماذا يمنعنا من أن ننتج وصفاتنا الاقتصادية بمعزل عن صندوق النقد ونادي باريس؟
سنبقى نلقي الأسئلة.. ونبقى ننتظر الإجابات..
غريب هذا الوطن يجابه المعارك الكبيرة، وينتصر فيها... بالمقابل فاتورة كهرباء تزرع ألف يأس وألف انكسار في نفوس أولاده.
مع ذلك يبقى الأردن في هذا المحيط، هو القصة والرواية والأسطورة، وأجمل الحكايات.