سيتغير العالم بعد فيروس الكورونا، هذا ما تقوله الكثير من التقديرات، ولكن ليس للأفضل بالضرورة، فالعالم تغير بعد الطاعون الكبير وبعد الأنفلونزا الأسبانية، ولكن في الوسائل وليس الغايات للأسف، لن نستيقظ لنجد عالماً مثالياً بعد الدروس الكثيرة التي بدأ الفيروس يلقنها للبشرية.
لو كان التاريخ يكرر نفسه، وكم من دلائل توجد على هذا السلوك للتاريخ، فبعد الكورونا يمكن أن يدخل العالم في حلقة من الحروب، من التعصب ومن النزعة القومية والمحلية، وللأسف لا يوجد ما يدحض عملياً هذه التصورات، فالفيروس يدفع بكثير من التغيرات على موازين القوى العالمية.
ما الذي يمكن أن نفعله على المستوى الوطني لمواجهة هذه الاحتمالات؟ كيف يمكن أن يتحسن الأداء في الظروف الحرجة؟
بعض المشاهد التي حدثت كانت نتيجة تفاوت في قدرة المواطنين على استيعاب ما يحدث، وطريقة استجابتهم لكثير من الأخبار والشائعات، والفرق في ظروفهم، وعدم وجود خبرة سابقة للتحرك في مثل هذه الظروف، فمعظم دول العالم لم تواجه ظروفاً مماثلة في العقود الأخيرة، وكلها عوامل يمكن الوقوف عليها وقراءتها بصورة متأنية.
هل يمكن الحديث اليوم عن نوعية جديدة من التعليم؟ لا أعني التعليم الإلكتروني، فهذه وسيلة تعليم، أما المحتوى التعليمي فيجب أن يتوجه لبناء مواطن يستطيع أن يتصرف في الظروف الصعبة، يستطيع أن يعرف متى يمكن أن يمارس الاختلاف، ومتى يجب أن ينخرط بالكامل في جهد وطني شامل يعلو على المصالح الآنية واللحظية، مواطن يجيد النقد لا الانتقاد.
ما الذي يمكن أن يتغير على الساحة الإعلامية؟ توجد فجوة في الثقة يجري تعويضها على مواقع التواصل، والأخطر ظهور تطبيقات التراسل بوصفها أدوات إعلامية، فكيف يمكن استعادة الثقة في الإعلام، كيف يمكن المحافظة على أهمية نشرة الثامنة مساء؟ ولماذا يجب أن نفعل ذلك؟ لأننا في النهاية أفرادا في أسرة واحدة، يمكن أن نختلف داخل البيت، نتخاصم ونتنازع ولكن يجب أن ندرك أن ذلك كله يجب أن يبقى تحت سقف نفس المنزل، وبين جدرانه الأربعة.
كيف يمكن أن نصوغ قوانين تعيد الدولة إلى دورها الكامل كما شاهدنا في الآونة الصعبة الأخيرة؟ كيف يمكن النظر في قوانين العمل؟ كيف يمكن الحديث عن تفعيل مسؤوليات اجتماعية أكثر عمقاً وايجابية للقطاع الخاص؟
هذه اللحظة التاريخية القلقة، والحالة الانفعالية التي ترافقها، والتصالح النوعي مع الواقع والإمكانيات، ستخلق فرصة مهمة للإجابة عن كل هذه الأسئلة؟ ستساعد في بناء مجتمع أكثر حصانة ودولة أكثر استجابة.