... حظر التجول له فوائد جمة، صحيح أن الإنسان أحياناً يشعر بالضيق.. ويشعر أن حركته مقيدة وأن المنزل الصغير صار سجناً، ومع ذلك هنالك بعض الفوائد..
أولاً: لن يكون هناك مؤتمرات للثرثرة في الفنادق، ولن تجبر على حضورها، وتقبيل نصف الموجودين، والسماع لأوراق عمل، وكلمات لا يعرف أصحابها.. النحو مطلقاً ولم يعلموا به..
ثانياً: تنقلب وظيفة الحارس في العمارة، من شخص يحضر لك الحاجيات، إلى صديق مخلص.. تستطيع (الكسدرة) معه في موقف السيارات، وأحيانا تكذب عليه وتقول أنك لو أردت تصريحاً لأحضرته في نصف ساعة، ولكنك تحب الجلوس في المنزل، وهو يعرف أنك تكذب، وأنت تعرف أنك تكذب أيضاً.. لكن لابد من الحديث مع شخص ما، لابد من تمضية الوقت.
ثالثاً: تعود إلى صورك القديمة أيام الجامعة، وتحاول أن تتذكر الذين كنت معهم في الصور.. المشكلة أن جميع الصور، إما مع المراسل في كلية الآداب، أو مع رجل الأمن.. وهنالك صورة مع طباخ المطعم الجامعي... لا يوجد أي صورة مع طالب، وتستغرب في النهاية لماذا أغلب الصور في الكافتيريا... وينفضح أمرك أمام الأولاد، ويكتشفون أنك كنت تذهب للجامعة من أجل الأكل وليس الدراسة... الغريب أن هنالك صورة مكتوب عليها، مع صديق العمر (محمود).. وأنا بصراحة، حاولت تذكر محمود... وتبين لي فيما بعد أنه كان مع «داعش».. فمزقت الصورة.
رابعاً: أحياناً تزور السيارة، وتقوم بإدارة المحرك، في محاولة لإيهام الجيران (بأنك مش سائل) ثم تخرج علبة عطر من الجيب العلوي، وتخرج بعض الفواتير القديمة... وتشعر في لحظة أن السيارة أصبحت مجرد ذكريات، وأن «الكورونا» حولتها لكومة من الحديد.. لم يعد لها فائدة أبداً.
خامساً: لم تعد تهتم بأفلام (توم كروز) ولا (دينزل واشنطن).. النجوم في عيونك هم أمجد العضايلة وسعد جابر، تخيلوا أن نجومية سعد جابر صارت أهم من نجومية توم كروز... حتى أمجد العضايلة صرت أتخيله (ميل غيبسون) في فيلم (القلب الشجاع)...
سادساً: الكورونا ليست مرضاً أبداً، وإنما هي ثورة في أنماط الحياة البشرية، وقد خلقت مني شخصاً وادعاً ومؤدباً إلى أبعد حد.