قبل الخوض في غمار الموضوع لا بد لنا من الوقوف على الخصوصية التاريخية لدولنا العربية والتي سعى الكثير إلى طمسها نظراً لما تمثله تلك الخصوصية من شيفرة وراثية بين عالمنا اليوم وماضينا بالأمس. فالتراث هوية مادية ومعنوية اما الهوية الوطنية فهي الحفاظ على التراث والبناء عليه. ولكن للأسف أصبحنا نعيش في عالم من المتناقضات في ظل عولمة مزقت هويتنا إرباً إرباً تحت وقع الاجتياح الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعلمي المبرمج لمجتمعاتنا. فالحرب اليوم هي حرب إعلامية، لا رصاص فيها.
الهوية هي من أكثر المصطلحات والمفاهيم المطروحة حالياً في الكثير من وسائل الإعلام لما لها من دلالات وأبعاد فكرية وسياسية واجتماعية وثقافية. ففي معجم الوجيز فإن مصطلح الهوية يعني الذات لذلك لا بد لنا من ان نبحث عن ذاتنا وماذا نريد كي نرسم الخطط. ولكن وللأسف نحن لا نعرف من نكون بل تمت التعمية على من نحن لأجل أن نكون وفق ما يشاؤون. فلا وجود للهوية العربية إلا بالوثائق الرسمية وجوازات السفر.
اليوم بتنا نقلد تقليداً أعمى كل ما يصل إلينا عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي دون فلترة أو غربلة للرسائل والمغازي وأبعادها ودلالاتها. فبرامجنا أصبحت نسخاً مكررة من تلك التي تبثها محطات عالمية وأصبح شبابنا متأثراً بتلك البرامج التي تشغل أوقات فراغهم التي تصل في اليوم إلى ٢٤ ساعة لأن ما نسبته ٤٠ بالمئة من الشباب العربي متعطلون عن العمل.
والتركيز على الهوية لا يعني الهوية الفردية فحسب بل الهوية الوطنية والقومية وغيرها لأن تلك المعادلة شبيهة بلوحة فسيفسائية تكمل الواحدة منها الأخرى. لا نريد أن نعود بالتاريخ إلى الوراء كثيراً، بل إلى مئة عام أو أقل حين سعى الإنسان العربي لأخذ مكانته تحت هذه السماء بانتزاع هويته من دول كبرى استعمرته وحجبت عنه النور والهواء. حاول الحصول على مكانته في العالم لكن خَطباً ما أثر على مستقبله وعلى خصوصيته التي تعبر عن هويته التي كانت نتاج تجارب اشترك أفرادها برسم صور ذلك الإنسان لتعبر عن هوية الأمة وماضيها وحاضرها ومستقبلها.
منذ أربعين عاماً تقريباً اضعنا البوصلة والهوية بعد أن بنينا وجودنا على تراث الآخرين وتناسينا تراثنا لأن لا هوية دون تراث ولا تراث إذا تجاهلنا الهوية، فهما متلازمان. لذلك تحاول وسائل العولمة طمس معالم التاريخ والثقافة والهوية الوطنية للكثير من الدول خصوصاً تلك التي لها تأثير حضاري وتاريخي كبير. وهذا ما حصل بالأمس القريب في العراق من تدمير لأوابده الأثرية وسلب قطعه التاريخية التي تدل على عراقة هذا البلد وكذلك الحال بالنسبة لسوريا.
فلا بد للشباب من أن يستعيد زمام المبادرة ويأخذ التراث على محمل من الجد ويبني عليه لأن من لا ماضي له لا حاضر ولا مستقبل له.
الهوية الوطنية بين الموروث والديجتال ميديا
11:00 13-3-2020
آخر تعديل :
الجمعة