في كل موسم انتخابات برلمانية، تقوم وزارة التنمية الاجتماعية بالتعميم على مدرائها في كافة المحافظات بضرورة التزام الحياد، ومنع استخدام مقرات الجمعيات ومرافقها في أعمال الدعاية الانتخابية لأي من المرشحين.
وهي بذلك تقوم بدورها المنوط بها استنادا إلى قانون الجمعيات الخيرية الذي ينص على تشكيل الجمعيات وفقا لأسس تطوعية، ويمنع تحقيق الفائدة الشخصية أو الربح من وراء ذلك. إضافة إلى قانون الانتخاب وأنظمته الصادرة بمقتضاه والتي تحدد ضوابط الدعاية الانتخابية ومنها عدم استخدام الجمعيات الخيرية في الترويج لأي من المرشحين.
وضمن هذا السياق، أصدرت وزيرة التنمية الاجتماعية بسمة اسحاقات تعميما شددت خلاله على منع مديريات التنمية من السماح بالترويج الدعائي للمرشحين في مقرات ومرافق الجمعيات، وكذلك منع موظفي الوزارة والجمعيات من ممارسة تلك الأعمال. وجاء التعميم على ذات النسق الذي حدده القانون، والذي التزم به كافة وزراء التنمية الذين تعاقبوا على الوزارة وشهدوا انتخابات تشريعية. وكانت نسبة الالتزام في إدارات الميدان مرتفعة أيضا.
ومع ذلك، فقد بقي السؤال قائما حول مدى حيادية القطاع الخيري عن الانتخابات والتأثير فيها. فالمدقق في تفاصيل المشهد يدرك أن بعض الجمعيات الخيرية تحولت إلى روافع للكثير من المرشحين لإيصالهم إلى القبة. وحولت الكثير من الأشخاص إلى مراكز ثقل انتخابية يمكن توجيهها بطريقة أو بأخرى لدعم هذا المرشح أو ذلك التيار.
القضية الرئيسية أن القانون نص على عدم استخدام المقرات لغاية الدعاية الانتخابية للمرشحين. ومنع موظفي الجمعيات والوزارة من العمل لصالح هذا المرشح أو ذاك. لكنه لم يمنع القائمين على الجمعيات من الترشح للانتخابات، ولم يضع أية شروط لترشحهم، مع أن نشاطهم الانتخابي من خلال الجمعيات وما تقدمه من مساعدات يمتد لسنوات أو عقود، ولا يقتصر على موسم الدعاية الانتخابية.
وفي التفاصيل، هناك جمعيات تمارس نشاطها الخيري، وتقديم المساعدات دوريا، وهي مرتبطة بأسماء اشخاص أو عائلات، وغالبا ما يتم ربط المساعدات بأسماء يتم تلميعها مبكرا لإيصالها إلى القبة في الوقت المناسب. والدليل على ذلك أن بعض النواب فازوا بالانتخابات على خلفية نشاط جمعيات قاموا بتأسيسها. وأصبحوا يقدمون أنفسهم من خلال ما يسمونه» برامج اجتماعية»، وبما يوازي البرامج السياسية.
وليس جديدا التذكير بموقف حكومي سابق جرى التركيز عليه في تبرير محاولات إبعاد بعض التيارات، التي اتهمت بأنها تستغل نشاطات وموجودات وإيرادات جمعيات تتبعها في الترويج للتيار انتخابيا. ما يعني أن المحاذير قائمة، وليست غائبة عن عمليات الرصد التي تقوم بها الدولة.
ومع ذلك فالتشريعات، ومنها قانون الانتخاب، وقانون الجمعيات الخيرية، لم تعالج من قريب أو من بعيد مسألة ترشح القائمين على الجمعيات الخيرية، واقتصرت معالجاتها على مسائل هامشية تمثلت بالدعاية في موسم الانتخابات فقط.
فهل من سبيل إلى ضبط المسألة تشريعيا بما يحد من إمكانية استغلال العمل الخيري في مصالح انتخابية؟ وبما يتجاوز النصوص النافذة حاليا؟
هذا ما نتمناه !!