أطلقت قبل أيام تساؤلاً على صفحتي الشخصية على موقع الفيس بوك حول مدى إمكانية استيعاب الحراكات المتعددة في أحزاب سياسية، وكنت أستند على ما وصفته بحالة فوبيا الأحزاب لدى الدولة الأردنية، وخاصة أن كثيراً من الأحزاب اتخذت تاريخياً الصبغة الدينية والقومية، ولما كانت الأحزاب متطلباً رئيسياً بما يفترض أن تقدمه من برامج وبدائل لتنشيط الحياة النيابية والوصول إلى حكومة نيابية تستطيع ترجمة طموحات الإصلاح السياسي، فلماذا علينا إضاعة الوقت في إصلاح الحياة الحزبية القائمة؟ ولماذا لا ننصرف إلى تشكيل أحزاب منشغلة أساساً با?شأن المحلي، وهي الصفة التي تشترك فيها الحراكات المختلفة؟
ردود المتابعين أتت لتثير مجموعة من الإشكاليات، من أهمها الطابع المطلبي للحراكات الشعبية، وهو ما يمكن اعتباره صحيحاً إلى حد بعيد، فحتى الحراك على الدوار الرابع في أيار – حزيران 2018 كان مطلبياً في الأساس، ولم يستطع أن يذهب إلى أبعد من ذلك، بمعنى أن الحراكات المختلفة تلاحق مطالب معينة، وتكون برسم التلاشي بمجرد تحقيق مطالبها، وتفتقد الحراكات البنية البرامجية الضرورية من أجل تقديم الحلول والبدائل، وأثارت التعليقات أيضاً مسألة مناطقية الحراكات بوصفها عائقاً يحول دون تقديمها مشروعاً وطنياً شاملاً، بجانب وجود شخص?ات مركزية توجه الحراكات إلى مصالحها وحساباتها الخاصة.
كل ما تقدم يمكن اعتباره صحيحاً، ويعكس آراء متابعين اقتربوا من الحراكات وتابعوها، ومع ذلك توجد نظرة أخرى حول الجيل الجديد الذي أنتجته الحراكات حتى لو كان يمثل الأقلية في هذه الحالة، فالشباب الذي اشتبك مبكراً بالسياسة يبقى ثروة وطنية يجب العمل على توجيهها وصقلها والاستفادة منها، والميل السياسي في جوهره عرضة إلى التحولات الكثيرة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتعديل الميل السياسي يجري بناء على عاملين أساسيين، الأول الدخول في التجربة السياسية بشكل عام، فالسهل هو توجيه الانتقاد من موقع المعارضة بينما ما يشكل?الشخصية السياسية هو التجربة العملية والتصدي للمشاكل والتحديات المرتبطة بها.
العامل الثاني في توجيه الميل السياسي يتمثل في توفر المعلومات لدى الفاعل السياسي، فكثير من التطور السياسي يحدث مع الوصول إلى مصادر المعلومة، والمفارقة أن كثيرا من التشوش الذي يحاصر الشباب العاملين بالسياسة يرتبط بالشفافية ونقص المعلومات وفشل طرائق التواصل معهم.
ويبقى سؤال آخر يرتبط بالموضوع، وهو موقف الأحزاب أصلاً في احتواء الحراكات وتحويلها من الجانب المطلبي إلى تجربة برامجية، وهل تمتلك الأحزاب أصلاً القدرة على صياغة البرامج الواقعية والمنتجة.