كتاب

الشاعرة الداوود في الغياب

كيف لرغيف الخبز أن يشعر بالدفء بعد هذا الغياب، كيف للفرح ان يميط اللثام عن هول السفر الأبدي، متى ستكتشف الغمام والبرق واللمعان؟ ما اقسى الرحيل وما اقسى الغياب! لقد فوجئت وتألمت لوفاة الشاعرة سهير الداود التي رحلت بصمت وحزن شفيف، لن أنسى يوم جاءت تحمل أشعارها في أوائل التسعينيات إلى مكتبي في الجامعة وهي تقرض الشعر، يومها قالت: لا بد ان تلتقي أمي ام مروان، حدثتني عن ابيها السفير كمال الداوود الذي لبى نداء ربه مبكرا، تستذكره وهو يضع الكتابين المقدسين: القرآن والإنجيل معاً، وتقول: وحينما رحل انهارت الكثير من الجدران حينما اكتشفت الواقع، ومن وقتها بدأت الكتابة وكتبت أول نص سردي بعيد وفاته، وهو قصة بعنوان «معك أنا خضراء» ثم ذهبت لفضاء الشعر الى ان دخلت في عزلتها بعد وفاة أمها، وحين زرتها للسلام على صديقتها سهام بيومي الروائية المصرية كان صوتها يتحشرج وهي تتذكرها حيث كانت من سنديان الفحيص بهيبتها ووقارها، هكذا الدنيا سفر ورحيل وغياب. وكلما التقيتها تقرأ شعرًا عن رحيلها لدرجة تشعرك انها قطعة منها وان رحيلها كان يجب أن يكون معها حتى كان لها ذلك! وهذا ما عبرت عنه في ديوانها «أنت للبيلسان ند» حيث جاء بعد تجربة قاسية وعزلة عاشتها بفقدان أمها.

وحين أعود الى ما كتبته عن شعرها قبل سنين تتفجر امامي صور ذلك الرغيف الذي أسميناه رغيفًا من الحب، وقلت يومذاك انها شاعرة أردنية تكتب من شغاف قلبها، ترتل ترانيمها بروح وقادة، وتفتح مدى عميقا بين براءة الطفولة ولغة الشعر، في تجربة أساسها البساطة والسلاسة، وفي غنائية تشتاق للتراب واللازب والنسمات الرطاب في مكانها الأثير الفحيص، حيث عشقها الأبدي تطل منه على القدس، لتعانق الارض الطيبة بدفئها وأشيائها، وبشوق حده الهوس الشعري، تحمل رغيفها حلوى وبهجة وخصوبة للعطاء والتجديد، وهو بشرى تنهض في شمس الشاعرة جمالاً وفرحاً وورداً، تحمل العوسج وتقطف في ظله صحو الفجر الذي يتسربل ضباباً ونسيجا، ولا تدري وأنت تتصفح شعرها الى أين تنتهي، إلى وردة يستند وجهها للشوك وهو يشرب من فم الفجر، أم إلى صوتها العتيق الذي يقذف مرارة قامت من تجاعيد الأرض في مساء بري يعشق رائحة مطر الخريف، أم إلى نهر السنيين وهو يطوي تعب الأيام الواحد تلو الآخر في زمن لا يعرف فيه الإنسان رأسه من قدمه.

رغيفها الشعري ينطلق من أفياء النفس وجوانيتها إلى قارئ يعيش مأساة رجل فقد ظله، ذلك الروائي المصري محمد ناجي الانسان الذي بكته شعرًا حينما رحل الى سفره الأخير، واستمرت عزلتها وهي تتمتم قصيدة صلاح عبد الصبور «الظل والصليب»:

أنا رجعت من بحار الفكر دون فكر

قابلني الفكر، ولكني رجعت دون فكر

أنا رجعت من بحار الموت دون موت

حين أتاني الموت، لم يجد لديّ ما يميته،

وعدت دون موت...هكذا ترحل سهير بصمت الراهب وتغلق خلفها الى الأبد صالونها الشعري، ولا نملك غير قولنا ان القلب ليحزن وان العين لتدمع، ونبقى نردد كلمات درويش في حضرة: «الموت لا يوجع.. الموتى الموت يوجع.. الأحياء!»

mohamadq2002@yahoo.com