الحكيم صفة يطلقها البشر بالعادة على كل من هو مميز, وبالعادة تطلق على العلماء والفلاسفة. وبصفة عامة تطلق على أشخاص مميزين تصدرعنهم أعمال وأقوال تستند إلى رؤية ورأي سديد. ومن صفات الحكيم العقلانية والقدرة على الاستنباط، والحكم على الأمور بشكل صحيح.
لقد سمحت لنفسي في المقال السابق بإطلاق لقب حكيم العرب على جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله، وفي الحقيقة لم أقم بإطلاق هذا اللقب جزافاً أو مجاملةً، ولكنه رأي يستند الى حقائق ووقائع ملموسة على أرض الواقع. فمنذ تولي جلالة الملك لسلطاته الدستورية، كان على عاتقه التعامل مع ملفات معقدة تواجه منطقتنا العربية، التي تشهد حالة من عدم الاستقرار الدائم, من حروبٍ ونزاعاتٍ إقليمية، وخلافات واختلافات وأزمات إقتصادية وسياسية، وانقلابات أفرزت ما يسمى (الربيع العربي)، أدت من جهة إلى حصول تغيير في نمط وشكل بعض من الأنظمة? ومن جهة أخرى تمكين بعض القوى الإقليمية مثل إيران بإحياء أطماعها الإقليمية وهيمنتها على بعض الدول العربية، وإدخال المنطقة في بوتقة صراعات داخلية, تستند الى أيديولوجية طائفية دينية، وكذلك الحال دخلت تركيا أيضا في بوتقة الاستقطاب الإقليمي. وللأسف فإن المنطقة أصبحت أرضاً خصبةً لتفشي مرض الإرهاب، والقاسم المشترك بين جميع الدخلاء هي المصالح الخاصة، وليس الحرص على أمن وسلامة المنطقة، في حين أن القاسم المشترك عند العرب هو الإذعان المفرط للمصالح الضيقة وليس المصالحة العربية المشتركة.
إن الوضع الطبيعي لدولة مثل الأردن، وفي ظل هذا المحيط المضطرب، أن تأخذها الأمواج العاتية في ظلام الخلافات والأخطار والفوضى التي تواجه المنطقة، ولكن جلالة الملك إستطاع بما يملكه من مصداقية ورؤية وإحترام وبحكمته وعقلانيته, تجنيب الأردن كل ذلك رغم محاولات الاستقطاب والإغراءات التي مارسها البعض على الأردن. بل كان جلالته في كثير من الأحيان يسبح عكس التيار بالمبادرة والتحرك نحو المجتمع العربي والدولي في كافة أطيافه، في سعيٍ جادٍ لمعالجة كثير من القضايا وتجنيب المنطقة مزيداً من التدهور.
لقد حظي جلالة الملك حفظه الله باحترام و تقدير الجميع، حتى مع من يختلف معهم. فهو لم يقف مع أحد ضد أحد، ولم ينزلق نحو الصراعات والخلافات الإقليمية والإغراءات المادية، ومراهنة البعض على السقوط في الهاوية، رغم اختلافه مع دولة كبيرة مثل الولايات المتحدة الأمبركية، حول ما يسمى تسوية (صفقة القرن)، فلقد كان هناك احترام لمواقفه وقراراته، وإن كانت لا تتفق ومواقف تلك الدولة، دون أن يؤثر ذلك سلباً على علاقاته معها. واستطاع بموقفه هذا أن يكون الصوت الحر والرئة التي تتنفس بها الشعوب العربية عامة والشعب الفلسطيني والأردن? خاصة.
حكيم العرب..
10:00 2-3-2020
آخر تعديل :
الاثنين