بعد ان ابلغ جلالة الراحل العظيم الحسين بن طلال بانه ملك دستوري على البلاد خلفا لوالده الراحل العظيم طلال بن عبدالله الذي لم يمكنه المرض من الاستمرار بمهام قيادة الدولة، كان اول ما فكر به الحسين هو تخليص الجيش من الهيمنة الانجليزية، وكي يتم التخلص من هذه الهيمنة لا بد من التخلص من قائد الجيش الانجليزي كلوب باشا ومعه كل قادة الاسلحة والكتائب من الضباط الانجليز واحلال ضباط اردنيين مكانهم ليتولوا قيادة الجيش.
الملك حين صار ملكا كان دون الثامنة عشرة من عمره وكان ملتحقا بكلية ساند هيرست العسكرية في بريطانيا وكان لا بد من الانتظار الى حين بلوغ السن القانونية لمباشرة مهام الملك، في هذه الاثناء كان الحسين يجتمع في لندن مع الضباط الاردنيين وكان يشاركهم التطلع بحماس يوازي حماسهم لتقوية الجيش وتولي ابناء الاردن قيادته وكان اكثر من يلتقي بهم في ذلك الوقت الرائد علي ابو نوار الذي كان ملحقا عسكريا للاردن في باريس والرئيس شاهر ابو شحوت مؤسس ما عرف آنذاك بحركة الضباط الاحرار، تلك الحركة التي لم تكن تسعى اطلاقا للمس بالعرش ا?هاشمي بل كان هم اعضائها استكمال استقلال الاردن وفرض سيادة الدولة على كل مؤسسات الوطن وفي مقدمتها الجيش.
كانت العوائق امام تحقيق الهدف كثيرة فقد كان البلد يعاني من قلة في الموارد فالاقتصاد بسيط بالكاد يرفد الخزينة ببعض المال وكان الشعب الاردني يعتمد على الزراعة كمصدر وحيد لمعيشته المهددة بانحباس الامطار والجفاف وفوق كل ذلك كان العدو الاسرائيلي لا يتوقف عن اختراق خطوط الهدنة والاعتداء على المدنيين الاردنيين.
لم يكن في الاردن مؤسسة مستقرة الا الجيش الذي كان يعتمد في نفقاته التسليحية ورواتب منتسبيه على الاموال التي وضعتها بريطانيا بتصرف قائده كلوب باشا وهو ما منحه قوة ونفوذا استثنائيين.
ورغم هذه الحالة الهشة لم يتوقف الحسين ومعه الضباط الاردنيون من التخطيط لعزل كلوب لهدف رئيس للشروع في بناء الاردن الحديث، وفيما عدا القائدان عبدالله التل قائد الكتيبة السادسة وبطل معركة القدس وحابس المجالي قائد الكتيبة الرابعة وبطل معارك باب الواد واللطرون، كان الضباط الانجليز يشغلون كل المواقع القيادية الحساسة الاخرى مثل الزعيم لاش مساعد كلوب والمعروف بعمالته للصهاينة وكرهه للعرب والقائد جرينيش والزعيم هانون رئيس الاركان والسير كوجهيل مدير المباحث.
كان الحسين يتفجر غضبا من تقاعس كلوب في الرد على الاعتداءات الاسرائيلية على القرى الحدودية في الضفة الغربية وكان يعرف من الضباط الاردنيين تفاصيل النقص بتجهيزات الجيش من اسلحة وذخائر وكان في مواجهة مستمرة مع كلوب بسبب امتناعه عن ترفيع الضباط الاردنيين، وكان كلوب بالمقابل يعلم باتصالات الحسين بهؤلاء الضباط، لكنه كان مطمئنا الى عدم قدرتهم على فعل شيء لانه متحكم بقرار الانفاق على الجيش بموجب المعاهدة الاردنية البريطانية التي قررت ان تكون موازنة الجيش بيد كلوب وحده.
وسط هذه العتمة انبثق فجر الاول من آذار عام 1956 بعد ان اكمل الحسين خطة التخلص من كلوب بمعاونة ابناء الاردن من ضباط الجيش وكان التنفيذ بأن توجه الملك الى رئاسة الوزراء وامر رئيس الوزراء آنذاك المرحوم سمير الرفاعي باتخاذ قرار انهاء خدمات قائد الجيش مُبلغاً اياه بتنفيذ ارادته بهذا الامر فورا وابلاغ كلوب بالرحيل خلال ساعتين بعد ان تم تجهيز طائرة تقله واسرته الى قبرص.
وهنا برزت رجولة عدد من الوزراء وفي مقدمتهم وزير الدفاع فلاح المدادحة الذي خاطب الوزراء قائلا: «يا رجال الشرف يقدم لنا على صينية من ذهب ولا نجرؤ على قبوله، كيف يكون ذلك؟ علينا اتخاذ القرار فورا ودون انتظار» فرد عليه رئيس الوزراء سمير الرفاعي «اذن عليك استدعاء كلوب باشا» فتناول فلاح التلفون وطلب الى قائد الجيش الحضور فورا الى الرئاسة، وعندما حضر ابلغه رئيس الوزراء بالقرار وعندما حاول كلوب مناقشة الامر كسبا للوقت وطلبا لمهلة اكثر من ساعتين للرحيل كما ابلغ قاطعه فلاح المدادحة قائلا لا اسمع يا كلوب باشا انت امض?ت ستة وعشرين عاما وانت تمتطي هذا البلد «ملط» وحان الوقت لتعود الى بلادك وقد اعددنا طائرة لنقلك وعائلتك الى قبرص خلال ساعتين من الان ولا داعي لاطالة المناقشة، لكن رئيس الوزراء بعد توسل من كلوب امهله الى صباح اليوم التالي 1/3/1956 ورحل كلوب وتم بعده بايام ترحيل كل الضباط الانجليز الذين قطعت عنهم الاتصالات وفرضت عليهم الاقامة في بيوتهم حسب الخطة المعدة سلفاً وتم تعيين قائد اردني للجيش هو الزعيم راضي عناب الذي رُقي الى رتبة لواء وتعيين عدد من الضباط الاخرين في المواقع القيادية للجيش وبدأت مرحلة جديدة بقيادة ال?سين للجيش وللدولة ككل حيث تلا ذلك انهاء المعاهدة الاردنية البريطانية والانعتاق من التدخل البريطاني في القرار الوطني الاردني.
تلك باختصار ظروف عمل بطولي قام به الحسين واخوانه من الضباط الوطنيين الاردنيين في وقت كان تنفيذ مثل هذه الخطوة شبه مستحيل لولا الارادة الصلبة والشجاعة التي تعمر قلوب رجال ما هابوا الموت ولا اشتروا الحياة بابخس الاثمان مترفعين عن المناصب والمكاسب في سبيل حرية الوطن وكرامة المواطن.
رحم الله الحسين ورحم كوكبة من الضباط الابطال الذين كانوا حوله امثال شاهر ابو شحوت الوطني العروبي النقي واخوانه علي ابو نوار وعلي الحياري وحابس المجالي ومحمود المعايطة وتوفيق الحياري وعزت حسن ومنذر عناب والامير زيد بن شاكر ومازن العجلوني ومعن ابو نوار ومشهور حديثة وغازي عربيات وفواز ماهر ومحمود الروسان وتركي الهنداوي، وليس آخراً ذوقان الشعلان قائد فئة المدرعات التي احاطت ببيت كلوب صبيحة المغادرة والذي قال له كلوب عندما رأه من على ظهر المدرعة «جيت بوقتك يا ذوقان أبعد هؤلاء الكلاب عن طريقي» نظراً لمعرفة كلوب ?ذوقان فما كان من الأخير إلا أن رد عليه «احفظ كلامك من الغلط وأرجع الى بيتك وإلا جعلتك انت وعسكرك هباء».
في المحن تبدو رجولة الرجال وما اكثر المحن في وطني وما أكثر الرجال واعتذر عمن سهوت عن ذكر اسمائهم ممن شرفوا الوطن مسطرين بشجاعتهم جزءاً من تاريخ الاردن.