كتاب

كثير من الضجة حول لا شيء.. أزمة الكلام السياسي في الأردن!

تعد المذكرات السياسية مصدراً مهماً للمؤرخين، ولكنها في الوقت نفسه أداة خطرة ومراوغة قد تدفع المؤرخ إلى السقوط في فخاخ التلفيق، فالسياسي، أياً يكن منصبه ومكانته، يبقى إنساناً يحاول أن يعرض للحدث التاريخي من وجهة نظره، وأن يدفع عن نفسه بعضاً من الاتهامات الصريحة والمضمرة من خصومه، وربما من النادر جداً أن تحصل على روايتين متطابقتين لأي حدث في مذكرات أي اثنين من الحضور، ولنأخذ مثلاً مذكرات أعضاء مجلس ثورة يوليو 1952 في مصر والتي تحولت في جانب كبير منها إلى مرافعات ذاتية أو تصفية حسابات شخصية، أما الحقيقة، فيج?ها الباحث في الوثائق والمحاضر الرسمية، التي يفلت بعضها من وقت إلى آخر.

إذا كانت هذه الحال مع المذكرات المكتوبة، فكيف تكون النتائج التي يمكن أن يستخلصها الباحث من الثرثرة مع السياسيين على هامش المناسبات العامة أو في الجلسات الخاصة، بالتأكيد ستشكل صورة مضطربة ومشوشة في أفضل الأحوال، والمشكلة حين يتم تناقل هذه المقولات من شخص إلى آخر فتزيد الصورة ضبابية وغموضاً، حتى يصبح من الصعب الوقوف على الحقيقة أو فتات الحقيقة التي قد تحتويه هذه المقولات.

وفوق ذلك، عادة ما تدخل في هذه النوعية من الجلسات شهادات تلقى بكثير من الثقة عن مواقف لم يكن الشخص الذي يرويها حاضراً فيها، ولم يكن في موقع يسمح له بالاقتراب من تفاصيلها، ومع ذلك يسترسل في سردها في الجلسات بمنتهى الثقة، مع أن أطرافها عدد قليل من شخصيات في مواقع حساسة تبادلت الحديث، وربما شخصان أو ثلاثة فقط.

ويضاف إلى الظواهر السابقة، الظهور المتكرر على اليوتيوب والفيسبوك والذي يتطلب سرديات أخرى، والمتلقي في النهاية عليه أن يقوم بتركيب لعبة البازل، والمعلومة الصحيحة يتوزع دمها بين الكتاب والصحفيين والضيوف الحاضرين ولو صدفة، وفي النهاية، تنطبق المقولة الشكسبيرية «كثير من الضجة حول لا شيء».

هذه ظواهر غير صحية، وتولد مشكلات هامشية تستهلك الأردنيين في متابعتها، وتدفعهم بعيداً عما هو مهم وضروري وعاجل، ولا يمكن أن تتراجع هذه الظواهر دون إتاحة الفرصة للمناظرة التي تتم من خلال الروافع الصحية المتمثلة في حياة حزبية حقيقية تمتلك أرضاً خصبة في الشارع وبين المواطنين، ومهما كانت تكلفة الإصلاح تجاه تعزيز الممارسة الحزبية فإنها تبقى أقل من هذه الضجة الفارغة، فالصالونات والدواوين والمزارع ليست البديل عن الأحزاب المسؤولة والفاعلة.