.. اتصلت مع وزير الإعلام أمس, وحين هممت بإنهاء المكالمة قال لي: بدك اشي..تلك المرة الأولى التي يسألك فيها وزير من الحكومة عن ماذا تريد, أجبته: بدي سلامتك...
على هامش (بدك شي)، تذكرت امرأ حدث معي منذ (18) عاما...
ماتت أمي وهي تقاتل السرطان, وهزمت أنا في المرحلة الأخيرة من المرض... لأن من تحبها رحلت, ورحلت الحياة معها...
في اخر حياتها تلقت جرعات من الكيماوي، وكما هو معروف فهذا العلاج يفتك بالشعر..ويؤدي إلى تساقطه، لكن الجرعات التي أعطوها اياها...لم تنجح في كبح جماح الورم ولا في إعادتها للحياة.
الذي يؤلمك في هذه الحالة ليس الموت, ولكني بعد انتهاء العزاء.. كنت أدخل غرفتها, وحين أمسك المخدة أجد بعض الشيب قد تساقط عليها, وأقوم بلملمته وأضعه في منديل صغير ثم أبكي وأغادر الغرفة, وذات مرة فتحت الخزانة.. فعلقت بي شيبة كانت قد استقرت على منديلها الأبيض.. هي الأخرى خبأتها.
كان الشيب موزعا, بين الدولاب.. وسريرها, وبين مناديلها (ومدرقتها)... كان بعضه قد علق على الكرسي الذي تجلس عليه, وهي تراقب الأخبار عن سقوط بغداد, وبعضه.. استقر على علب الأدوية التي تتناولها... وكله كان يطاردني يعلق بي, كلما دخلت سريرها أو مشيت في الدار تستقر في يدي شعرة من شيبها.
هل كان هذا عقاب, أم أن الشيب يحن على بؤسي وضياعي, أم أن الأم حتى بعد الموت تبقى تشتاق لمن أرضعت وأنجبت وأحبت ودللت؟
أمضيت فترة طويلة من الوقت أطارد شيبها وهو يطاردني, هو لم يكن بالشيب كان حبا متغلغلا في الروح, حتى الموت فشل في أن يجعله يعلق في ثنايا هذه الروح..وأيقنت يومها أن الحب وحده يهزم الموت.
أتذكر أن وزير الإعلام كان يومها مديرا للدائرة الإعلامية في الديوان الملكي, وكان مسافرا.. وجاء بعد عودته كي يقوم بتأدية واجب العزاء, وسألني ذات السؤال: بدك شي.. أجبته: بدي أمي...!
سيدي الوزير المحترم.. أنا لا أريد في مشيبي وضياع الشباب والعمر..أن يكون وطني مجرد بقايا شيب على وسادة بيضاء, يعلق في يدي.. ويجعل دمعي يغسل وجهي... لا أريد ذلك فوطني حي لا يموت أبدا... وأنا أخاف عليه من الذين نصبوا سرادق للعزاء.. فصارت حياتنا مجرد خيمة نتبادل فيها الحزن.