أبواب - وليد سليمان
أكرم عبده أسعد أبو الراغب وُلد في عمَّان عام 1945, وهو مؤلف ومخرج مسرحي متخصص في أدب وثقافة الطفل.. وضع أكثر من خمسين مسرحية للأطفال تأليفا وإخراجاً, بالإضافة لكتابة ما يقارب الخمسين كتاباً للأطفال وعشرات البرامج والمسلسلات الإذاعية والتلفزيونية.. وهو من أوائل من اهتموا بمسرح الطفل في الأردن.
ويُعد» ابو الراغب» أباً حقيقياً وعميداً لمسرح الطفل في الأردن.. وهو عضو في نقابة الفنانين الأردنيين, وعضو في اتحاد المؤرخين العرب, وعضو سابق في لجنة أمناء جائزة الدولة لأدب الأطفال في قطر.
ومؤخراً وضع أبو الراغب سيرة حياته بحلوها ومرها في كتاب أسماه (حصاد العمر).. حيث لم يتردد بالبوح بأنه عمل بعشرات الأعمال في شبابه, إذ لم تُتح له الفرصة لإكمال تعليمه، بل خرج من الصف السادس الابتدائي، وتعب كثيرا في بداية حياته! فقد عمل كصبي حلاق, ثم كبائع متجول, وموظف صغير في محل بيع ملبوسات, وبائع مهلبية وترمس، وبائع تسالي في سينما الفردوس، ثم كمساعد لمأمور مستودع لقطع للسيارات، ثم كعامل في معمل للتريكو، وميكانيكي سيارات, ومهن أخرى.
وُلدت في عمان
ومن مذكراته تلك يقول أبو الراغب :
وُلدت في عمان داخل بيت عتيق مُشيد سقفه من القصب والطين المخلوط بالتبن، وكان يقع في قلب عمان خلف البنك العربي الموجود حالياً وسط البلد أسفل جبل القلعة.. حيث كانت هناك عين ماء تتدفق.. فيأتي إليها الناس من كل حدب وصوب كي يشربوا منها, أو يحملوا الماء الى بيوتهم.
وكانت أسرة والدي كبيرة في ذلك الزمان، تتألف من أربعة ذكور وأربع إناث، بالإضافة إلى جدتي لأبي التي كانت تقطن مع أفراد أسرتنا، وبالطبع كذلك مع والوالد والوالدة.
وبعد خمس سنوات من ولادتي، انتقلت أسرتي إلى بيت جديد يقع في أول طلوع جبل التاج في شارع المحطة، حيث كانت البساتين الغناء المليئة بالأشجار المثمرة.. تلك التي كانت تمتد من قرب المدرج الروماني والساحة الهاشمية حتى تصل إلى المحطة، وكذلك مزارع الخضروات.. وكانت مقبرة عمان تقع في شارع الهاشمي وبالتحديد مكان الساحة الهاشمية حالياً، وكان بيتنا الجديد أحدث من سابقه بقليل، فقد كان مشيداً من الطين والحجارة أيضا, إلا أن سقفه كان من الأسمنت المسلح.
لقد كانت الحياة في تلك الحقبة من الزمن قاسية جداً، ولكنها بسيطة لأبعد الحدود، وغير معقدة مثل اليوم، وأغلب الناس يتزاورون ويساعدون بعضهم البعض.
وبعد أن أصبح عمري «18» عاماً، وفي يوم 19/ 4/ 1963 توجهت إلى دائرة الترخيص.. فبعد نجاحي في الفحص الفني من أول مرة، حصلت على رخصة قيادة سيارة عمومي، واشترى لي والدي سيارة نقل صغيرة–بك آب–من نوع «شيفرولية».. وكانت حمولتها طن واحد، حيث عملت عليها داخل العاصمة عمان.
لقد كنت أحمل البضائع الخفيفة من جمرك عمان والذي كان يقع في منطقة عين غزال إلى أماكن مختلفة في عمان، وكنت فرحاً نوعاً ما بهذه الاستقلالية، كان وقتي ملكاً لي، حيث كانت غرفة القيادة مليئة بالكتب التي كنت آخذها معي لأطالع بها في أوقات الفراغ، إذ أنني لم أنقطع يوماً عن القراءة والمطالعة حيث أقرأ بشراهة.
نقليات عودة النبر
ويتابع أبو الراغب: واستمر عملي كسائق لسيارة النقل الصغيرة ما يزيد عن السنتين، وبعد ذلك حصلت على رخصة قيادة السيارات الشاحنة، وبالطبع تركت سيارة النقل الصغيرة لأعمل كسائق رافعة وِنش لدى شركة «نقليات عودة النبر», وهي شركة معروفة بتخصصها بالنقل والرافعات, وفي هذه الشركة تعلمت قيادة السيارات الشاحنة الكبيرة التي تُسمي تريلا.
وكان صاحب الشركة «عودة النبر» رحمه الله من أثرياء الأردن, فقد كان رجلاً عصامياً بدأ حياته من الصفر.
وكان النبر يحب عمله كالعبادة بالرغم من كبر سنه، إلا أنه كان في منتهى النشاط والحركة.
كنت أحياناً أقود سيارته المرسيدس الفخمة لأوصله إلى أماكن مختلفة في عمان، وقد سافرت معه بضع سفرات إلى الدول المجاورة، وكنا أثناء الطريق نتحدث بأمور كثيرة، فوجد بي إنساناً مميزاً فنقلني من الرافعات والشاحنات إلى مكتبه لأكون همزة الوصل بينه وبين «الكراج» والسائقين والميكانيكيين, وقد رفع مبلغ راتبي.
وكنت في تلك الفترة أحضر معي ملابس نظيفة وأنيقة أعلقها في المكتب، حيث كان يكلفني أحيانا بمراجعة بعض المعاملات في الدوائر الحكومية أو الوزارات.. فكنت أخلع ملابس الكراج وأرتدي الملابس النظيفة.. ولمس الرجل بأنني أستطيع صياغة الكتب الرسمية الصادرة عن شركته بطريقة مثقفة مختصرة.
المهم أن العمل كان مع هذا الرجل العصامي مدرسة علمتني أشياء كثيرة لازلت أذكرها حتى الآن.
لكن طموحي لم يكن ليتوقف عند هذا الحد من العمل، فأحلامي كبيرة، وآمالي أكبر بكثير من موظف يتقاضى كل آخر شهر راتباً معلوماً، فتركت الرافعات لأبحث عن ضالتي من جديد.
سائق شاحنة
وبعد أن تركت الرافعات، عملت سائقاً لسيارة شاحنة كبيرة «تريلا», وكنت أسافر بها في أرض الله الواسعة في الطرق الصحراوية الطويلة مثل: الكويت والسعودية وبغداد وبيروت وغيرها.. ولا شك بأن دخلي المادي قد ازداد وتضاعف أربع مرات.. ولكن بالمقابل ازداد شقائي وتعبي.. ولكن خبرتي ازدادت في هذه الحياة من خلال السفر والترحال.
حلم المؤلف والكاتب
وفي تلك الفترة بالذات، قلـَّت مطالعاتي وقراءاتي، وهذا ما كان يزعجني ويؤلمني ويقلق طموحي غير المحدود.
كانت أحلام اليقظة لا تفارق مخيلتي وعقلي، فكنت أرى نفسي رجلاً مشهوراً يشار إليه بالبنان، كنت أحلم بأن أكون كاتباً ومؤلفاً أو ممثلاً أو مخرجاً.
وما كنت أعلم بأن هذه الأحلام ستتحقق يوماً ما، فقد تعرضت في حينها لأكثر من حادث بسيط بسبب شرودي بأحلامي التي ترفض أن تتحقق، وكان طموحي أكبر بكثير من سائق شاحنة «مع احترامي الشديد لكل من عمل وسيعمل في هذه المهنة الشريفة».
وعدت ذات يوم تعباً ومتبرماً من جرَّاء سفرة طويلة، وكنت قد عاهدت نفسي أن أترك هذه المهنة وإلى الأبد، فنمت ليلتي مرتاحاً لهذا القرار الصعب الذي اتخذته!!.
وفي صباح اليوم التالي أحضرت مقصاً وقصقصت رخصة القيادة إربا إربا.. وذهبت إلى صاحب الشاحنة وقدمت له استقالتي، وسلمته الشاحنة وانصرفت دون أن ألتفت خلفي!!.
شغف بالقراءة والمطالعة
وهكذا فقد شغف أكرم أبو الراغب بالقراءة والمطالعة منذ نعومة أظفاره، إذ كان يقرأ كل كتاب يقع بين يديه، فقد بدأت موهبته الأدبية والفنية تظهر أثناء مقاعد الدراسة.. حيث كان يبدع في موضوع الإنشاء العربي عندما كان في الصف الرابع الابتدائي.. إذ اكتشف موهبته أستاذ اللغة العربية آنذاك.
وبدأ حياته الكتابية بنشر بعض القصص في الصحف والمجلات المحلية الأردنية، وزار دار الإذاعة الأردنية لأول مرة في العام 1960, ومن هنا بدأت تجاربه الكتابية في الدراما الإذاعية، ولكن أغلبها لم يعرف طريقه إلى النور لقلة تجاربه الإبداعية آنذاك.
لكنه في العام 1966 ترك قيادة السيارات ليمتهن مهنة تخليص البضائع في جمرك عمان، وبالرغم من ذلك ظل مولعا بالمطالعة ولتقوية لغته العربية وتثقيف نفسه، أخذ بقراءة القرآن الكريم والشعر الجاهلي.
واستطاع خلال عشرين سنة أن يقرأ آلاف الكتب بعناية حتى أصبحت لغته العربية رصينة, وحصد لنفسه ثقافة مرموقة.
وأثناء هذه الفترة زادت كتاباته للصحف والمجلات, والدراما الإذاعية, ولكنها كانت على فترات متباينة ومتقطعة لانشغاله بالعمل, وظل يعمل بمهنة تخليص البضائع حتى العام 1976.
وبعد ذلك ترك مهنة تخليص البضائع ليعمل ممثلاً في بعض المسلسلات التلفزيونية, ومن ثم انتقل إلى الكتابة وفنونها، فكتب أول مسلسل تلفزيوني للأطفال «الولد العجيب» في ثلاث عشرة حلقة, وكانت تلك بداية انطلاقه للكتابات التلفزيونية المتتابعة حتى بلغت عشرات المسلسلات التلفزيونية للكبار والأطفال.
أمي وفرحها الحقيقي
ويقول أبو الراغب: في مرحلة طفولتي المبكرة، استولت أمي على مشاعري وأفكاري واهتمامي، فقد كانت منذ البداية هي الأرض الخصبة والتربة الصالحة في نفسي، فكنت أشعر أن كل مافي هذه الدنيا في حياتي مستمد من وجود أمي، بل كانت لحمة نسيجي وسداه، وكل ماعليه من زخرفة وتطريز إنما هو الطبيعة الثانية.
كنت أتمتع بمشاهدة أمي لا كما يتمتع الناس بأمهاتهم، كنت أراقبها بشدة، أنظر في عينيها، في شعرها، في ثوبها العتيق الذي تفوح منه رائحة المطبخ، في ابتسامتها الطيبة، في آمالها الظاهرة والخافية، في مشيتها، في نومها وهي لا تشعر بي، لا تعرف بأني أغرف من جمالها الإلهي، واختزن لها صوراً لا تنتهي.
وكنت أتمتع بمشاهدتها وهي تداعب أحد إخوتي وهي تقبله من رقبته الخلفية, أو كيف كانت تمشط إحدى أخواتي بحنان آسر.. كنت أستمتع بمشاهدتها وهي تطبخ أو تقلي الباذنجان أو تجلي الصحون والملاعق.. كانت تذوب تعباً وهي تغسل الملابس على يديها وبطريقة بدائية ثم تنشرها أو تلملمها عن الحبال.
كانت تعاني إرهاقاً شديداً ولكنها كانت سعيدة من أجل أسرتها.
لقد كانت أمي تقدم لأسرتها شيئاً عظيماً قد يراه بعض الناس واجباً يومياً اعتيادياً يتجسد في طبق مقلوبة أو قميص مغسول ومكوي، أو في بلاط ممسوح.. وأنا كنت أراه حدثاً عظيماً تصنعه الأم, وهي لا تريد مقابلاً له سوى فرحة حقيقية على وجوه أعضاء أسرتها وكلماتهم، كان همها الأول أن تقدم خدماتها.
كنت أشعر بذكاء أمي الفطري والذي يلفت النظر رغم أنها لا تعرف حرفاً واحداً من الأحرف الهجائية، كان لها حسّ مرهف ونفس شفافة وعاطفة متفجرة، ودماء دمشقية تتدفق حيوية, فذكاؤها الأنثوي مشحون بالمرح والحب والفهم معاً..كانت إنسانة غنية ممتلئة بتقاليد الماضي وابتكارات الحاضر.. تتمسك بالأمس وتساير اليوم وتتوقع الغد، كانت بالعين تفهمني، وبالقلب تضمني، وبالتضحية تأسرني، كانت شيئاً كبيراً جداً في حياتي.. رحمك الله يا أمي.
والدي والرخصة رقم واحد!
كان والدي رحمه الله من خيرة رجالات الأردن الشرفاء الأوفياء الذين نذروا أنفسهم وأخذوا على عاتقهم المساعدة في بناء هذا الوطن قوياً شامخاً، فقد كان هؤلاء الرجال القدماء رجالاً أشاوس، أمناء صادقين، يعملون بجد وصمت، وهم البناة الحقيقيون لبلدهم الأردن.. فقد كان كل فرد منهم يبني من خندقه ومن موقعه دون كلل أو ملل.
كان والدي متوسط الطول رشيق القامة، يرتدي الملابس العربية، تراه فتحسبه أميراً من أمراء العرب، وبالفعل كان كل أصدقائه ومعارفه يلقبونه بالأمير، وظل هذا اللقب يلاصقه حتى آخر أيامه، وكان قوي الشخصية وذا مقام رفيع ومحمود بين أهله وعشيرته وأبناء وطنه، وكان طيب القلب إلى أبعد الحدود، وكريم النفس أريحياً، يهب لنجدة الملهوف، يساعد الفقراء والمحتاجين ويحسن إليهم.
وكان والدي يعرف القراءة والكتابة، وتعلم قيادة السيارات من الألمان، وكان أول سائق في إمارة شرق الأردن، ورخصته تحمل الرقم واحد، وظل محتفظاً بهذا الرقم حتى وفاته.
ونظراً لسمعته الطيبة ومكانته بين عشيرته ففي العام 1932 اصطفاه المغفور له» الأمير» الملك المؤسس عبد الله الأول دون غيره ليكون قريباً منه, ليعمل سائقه الخاص وبرتبة «شاويش»، وظل في خدمة الملك سنوات طوالاً.
وبعد ذلك انتقل والدي ليساعد في تأسيس أول خطوط نقل للبضائع ما بين شرق الأردن وفلسطين، فاشترى شاحنة وعمل عليها مدة طويلة، ثم أسس مع أبناء عمومته خطوط نقل البضائع المخلص عليها من جمرك عمان إلى أصحابها.
وكان الوالد قد حدثني عن اشتراكه مع الثوار الأحرار للدفاع عن عروبة فلسطين ضد الصهاينة المحتلين، وكيف تبرع بشاحنة ليقودها بنفسه لينقل رجال المقاومة مع أسلحتهم وعتادهم إلى القدس وضواحيها, وعن تعرضه للموت أكثر من مرة وهو يقاتل ويناضل.