تكلمت كثيرا خلال سنوات بعيدة عن الفرق الكبير ما بين القيمة وما بين الثمن، ولكن لا يزال البعض ممن لا يفرقون بينهما، بل يقدمون الثمن على القيمّ، وفي الشق السياسي لم يكن الثمن ماديا بل هو الوصول الى الانتصار للقيم الوطنية وحماية الأوطان وإجبار الخصوم على تقييم الأوطان بمنزلتها الرفيعة في هذا العالم المتوحش، ولهذا كان من المشين أن يبقى مناصرو الاستسلام للأمر الواقع يهرفون بالنتائج الاقتصادية والمردود المالي لما كان يسمى بالحل، حتى اتضح أن لا عودة للاجئين ولا تعويضات مالية ولا مليارات غير القروض المفترضة.
الصفقة تقرر أن كل شيء لإسرائيل، ولا شيء للفلسطينيين أو من ينوب عنهم، سوى أننا مجرد ساحة تصنيع وإعادة إنتاج لـ«كانتون» فلسطيني محاصر من قبل دولة إسرائيل، ولهذا فإن البند الإنساني من (إتفاقية ترمب نتنياهو) قد ألغى عودة اللاجئين الفلسطينيين، وقررت إدماجهم في الدول المستضيفة لهم ضمن دول العالم الإسلامي، التي لا تقدم لهم أصلا سوى العمل، وذلك بواقع 5 آلاف لاجئ سنويا لعشر سنوات بمجموع 50 الف لاجئ يتم تجنيسهم في تلك الدول، ولا يحق لهم أي تعويضات مالية، وبمجرد توقيع اتفاقية السلام الإسرائيلية الفلسطينية حسب ترمب، ف?يجري تفكيك المخيمات وإلغاء وجود مصطلح لاجئ وإلغاء الأونوروا.
في المقابل تؤكد الوثيقة السوداء لترمب على حق تعويض ما أسموهم اللاجئين اليهود من الدول العربية بالتعويض عن ممتلكاتهم في تلك الدول والتعويض لدولة إسرائيل لأنها استوعبتهم، وكل تفصيل لما هو متوقع إنشائه لهيكل الدولة الفلسطينية المحصورة تزج الوثيقة بالأردن أولا ومصر بشكل أقل على أنها ستكون الذراع التنفيذي للمشاريع الاقتصادية ميناء بري وجوي وبحري، وبناء مؤسسي وظيفي وأمني للدولة القادمة، وكأن الأردن جلس على الطاولة لتسطير موافقته على ذلك.
في الأردن هناك ما يزيد على مليونين ونصف من اللاجئين الفلسطينيين، وتقدم الحكومة لخدمات المخيمات، دون إعلان، ما يزيد على ميزانية الأنوروا بتقديرات تصل الى مليار دينار، ولا يفرق الشعب الأردني بين لاجئ ومواطن وكأنهم عائلة واحدة متجاوزين سخافات البعض، ومع هذا كانت الروايات عن تعويض الأردن تتصاعد الى ما يزيد على عشرين مليار دولار، وتنازلت الروايات منذ أيام الى أن حصة الأردن من الصفقة سبعة مليارات، وكل ذلك ليس سوى أحلام راعي الغنم وجرة السمن التي كسرها بعصاه في القصة المشهورة.
على الأردن منذ اليوم التفكير خارج الصندوق الأميركي، فلا عشرات المليارات ولا مستقبل غير ما نرى، وإن لم نحسنّ شروط التفاوض والتصعيد لأعلى درجات القوة الوطنية، فسنخسر كل شيء، حتى الوصاية على المقدسات لم تنص عليها الوثيقة السوداء، ولم نكن يوما ولن نكون غطاء للعدو الصهيوني ليتمدد بكل سلام واستجمام، فيما نحن نستطيع أن نتخلص من التبعية التي لم تجلب لنا سوى الصداع السياسي والاستنزاف الاقتصادي.