ثمة فارق كبير بين «السياسي» و«العنجهي». فالسياسي لا يخرج في حديثه عن «فن الممكن»، اما «العنجهي» فلا ضوابط لحديثه، وتكون مشاريعه مرتجلة وتغلب عليها لغة «العضلات» و«الغرور»، وتكون قريبة من «المراهقة»، التي تلامس عملية بناء القصور في الهواء.
فـ"العنجهي» يستند في فرضياته إلى وقائع يراها دائمة، ويرى معها أن كل شيء ممكن، تماما كما يرى بعض من يملك الثروة أنها قادرة على شراء أي شيء، ومن يملك النفوذ أن نفوذه قادر على كسر إرادة أي طرف، وان العالم يكون ملك يديه.
هذا هو الانطباع العميق لما حدث ليلة الثلاثاء/ الأربعاء، حيث تناوب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الـ«نتن ياهو»، في عرض مسرحية «صفقة القرن»، ونجحا في ترسيمها كـ «صفعة»، وإقناع المدققين في خطوطها العريضة وبعض تفاصيلها بأنها «بداية النهاية» لدولة الاحتلال.
فـ«الصفقة» تستند إلى عناصر عنجهية القوة والرغبة في التمرد على كافة الضوابط بما فيها «عناصر الطبيعة» التي تؤكد بالتجربة الحسية أن لكل انطلاقة مدى محدد، قبل أن تبدأ مشوار العودة. تماما كما هي الرصاصة التي تنطلق من فوهة البندقية، لتصل إلى مداها ثم ترتد إلى الأرض. وكما هو الحال بشأن الدول التي تنهض وصولا إلى قمة الحضارة والقوة قبل أن تبدأ حالة التراجع وصولا إلى الانهيار.
وإن كانت الأمثلة كثيرة، فلعل في نونية «أبي البقاء الرندي» التي رثى فيها دولة الخلافة في الأندلس بعد سقوطها ما يمكن أن يعبر عن بعض أركان الواقع.
فمع الفارق الكبير بين دولة الاندلس، ذات القيم النبيلة، و«ودولة الاحتلال العنصري الإسرائيلي، البعيدة عن أية قيم إنسانية، وعدم وجود مقارنة بين الحالتين سوى» الانهيار بعد الصعود «إلا أن ما حدث من مهزلة بدت فيها حالة «الانتشاء» واضحة بين «نتنياهو وترمب» أثناء الإعلان يمكن أن يفي بالغرض.
فقد جاء في رائعة الرندي قوله:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان... فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ.
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ... مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ.
فـ«الصفقة» احتوت كل ما يحلم به نتنياهو، وحولها الإثنان إلى مهرجان انتخابي مزدوج، موجه إلى الناخبين الأميركيين لصالح ترامب، والإسرائيليين لصالح نتنياهو. وتجاهل بيانهما كافة المواثيق الدولية، وقرارات الشرعية العالمية، وحقوق الإنسان، وركز على البعد الدعائي حتى وإن كان سيقتل صاحبه، ويوسع الفجوة بين المعتدي والمعتدى عليه. ولم يراع الضوابط الأساسية للمنطق، وفي مقدمتها أن يكون الطرح ممكن التحقيق وليس مستحيلاً.
فما سمعناه، كان محاولة مرفوضة لحشر الطرف الآخر في زاوية ضيقة، تدفعه إلى استخدام شتى الوسائل للدفاع عن كرامته، وعن حقه الطبيعي في العيش. وتحت عنوان «عليّ وعلى أعدائي». وتحفيز لتعزيز القناعة بالرفض لدى الأجيال القادمة، وبنتيجة حتمية هي «بداية النهاية لدولة المسخ»، ولـ«خطاب العنجهية».