قصائد عبد الرّحيم جداية.. شعرية القلق

تاريخ النشر : السبت 12:00 18-1-2020
No Image
2010

تقول الكاتبة الأميركية «أناييس نِن»: «القلق أكبر قاتل للحب».. لكن الأمر مختلف عند قراءة مجموعة الشّاعر الأردني عبد الرّحيم الجداية «قلِق أنا» (مكتبة الطلبة الجامعية بإربد، 2019)، إذ يصبح للقلِق هنا معنى الرّاهب المستعصي على الاستيعاب إلّا بصمت كبير أمام أوديسات المعاني بفحواها العاصف.

والقلق في الاصطلاح حالة فيسيولوجية ونفسية تخاطب الإدراك والجسد والإحساس مشكّلة تقلّباً في السلوك والوعي، أما القلق الشّعري فهو عبقرية مبدع في مخاطبة نصوص أخرى لربما كُتبت في الغيب. وما نلمحه في بداية المجموعة هو ذلك التصريح الفاصل بين العبقرية والجنون، وصياغة الأنين كقلق وجودي يجعل الأشياء مضطربة في إبداع يرتجف وقاموس يحوّل يقين الكلمات المنتقاة من خوف ووجل إلى صمت تليد يبُقي على شهامة البوح بين النّفس وعراكها مع الشّك:

«ستقول سنبلة الحقول لأختها: قَلِقٌ هو

وتقول ثمّ سحابةٌ لسحابةٍ مرتْ هنا:

قد كان يرتجف الخريف على يديه قَلقٌ يساورني عليه

حتّى اليمامة غادرتْ أغصانه

مذ كان يسكنه الأرقْ

فزعٌ يناوش صمته

فتخونه

تلك الرياح إذا عبرن عباءةَ الأيام تعبث بالورقْ».

إنّ خلخلة الصورة وجلبها من متواها الأخير ومن ارتباكها لهو فحوى معاناة محبوكة بتلافيف المصطلحات المتناقضة، إذ ينعكس ذلك في المباغتة الشّعرية كارتداد نفسيّ للكلمات في مدلولها وكإطناب يحقق نوعا من عزاء النّفس لذاتها ومغافلة الأنا باختيار غير مسبق للألفاظ، وكأن لكل لفظ سجيته وارتباكه وجزالته إزاء كثير من الصور المحبطة في الخاطؤ:

«قَلقٌ يساورني

وأشكُّ أنّ الثلج أبيضْ

وأشكُّ أنّ الليل أسودْ

وأشكُّ في قلقي إذا ناجيتني

فالقلب يفرد صمته

ويمدّني صمتي بموالٍ أسيرْ

وأمده كذباً».

في القصيدة وتر خامس؛ خوف يساور العبارة التي يشربها العقل، ورماد يذرّ في عين البلاغة تلك العبارات المصقولة بالارتجاف. ويستمرُ القلق كحالة مُهيمنة وطقس ضبابي يضرب أطنابه في الشّرُوح والنّداء والوصية، وما على اللّغة سوى الطّاعة والانسياب كرمل صحراء حين يكون للهبوب مجاز يجعل من الصّبح شرابا وغنيمة للحناجر، ومن الغرق ملاذا روحيا:

«قَلقٌ يساور قلبك المحتَّل يا ولدي

اخلع ضبابك وانتشرْ

كالصبح في صبح ندي

واشرب حلاوة فجرها

من كفّها

فجبينها بحرٌ

وما عرف الغرقْ

ما كان يغريني القلقْ

هبط الغبار على أكفّ العابثين

فآثروا جمع الكلام على طريق القافلة والعين ترنو غافلة

هل كان يغريني الوصول إلى مفاتن وجهها

كي أستريح على بقايا قلبها

فالخوف سلطانٌ وقلبي دربها

لكنّ بعض مخاوفي غلبتها

وأعدتُ جمع المستحيل

لأحترق».

يا لها من طراوة لُغوية يختزلها قَلق آخر يشبه المنفى.. ذلك التشويش الدلائلي في الذّات الشّعرية حينما يصبح للّغة قلقها المبعثر تجاه ذلك الفقد التراجيدي لصورة صادمة من الشّاعر؛ ما يجعل للاحتراق معنى للقصيدة، وكما يقول سليم بركات «الشعر فوضى ملتزمة بأخلاقِ السّحر». وأقول هنا: وما السّحر إلا قلق نابع من مدارك لفظية ومجازية ومن تلك المفاتن التي وهبت الشّاعر استراحة المُحارب طافحا بالدلالة المستحيلة.

مجموعة «قلق أنا» تمثل طفرة شعرية يمضي فيها الزمن بسرعة.. لهذا سيطر عليّ القلق وأنا أقرأ ما بين السّطر والسّطر، ما بين السّكوت والسّكوت، وما بين أنين وأنين..

ثمة قصيدة أخرى تستوقف القارئ في عراكه اللذيذ مع الصورة، تحمل عنوان «عابر إلى فلسطين».. هنا سموُ القلق.. هنا الرّهبة الممشوقة بين السهولة الأدبية وإجهاش الصور وأعاصير المعاني:

«في ساعةٍ

والباصُ ينتظرُ المسافرَ

والمسافرُ

في انتظارِ حقيبةٍ

خلفَ الكواليسِ القديمة

والفتى

قلِقٌ كأعواد المشانقْ

في ساعةٍ

نَظَرَتْ منَ الشباكِ ترقبها الإشارة

خلفَ الزجاجِ مسدسٌ

والباصُ مغلقُ

ساعةً أو ساعتين

الجسرُ يربطُ بيننا

ما بيننا

غيرَ الطزاجةِ والطهارةْ

الباصُ مرتبكٌ

كعنقودٍ بكى».

قلق آخر يحوّل الأزمان إلى أعواد ثقاب، والأشياء إلى كائنات ما بين نفي وإثبات.. ويكون الانتظار الذي ينزع لحم القصيدة وكأنه طهو للسّاعات.. وكأن القلق هنا جاهزية موت يقرع نافذة الباص:

«والجندُ حولَ الباصِ يأسرهم لها عينانِ في لَهَفٍ وتنظرهمْ فوضى تقاتلهمْ والجندُ تشعلُ نارَها في أخمصِ القدمينِ تنثرُ ثارها والجسرُ تعرفهُ الحفاةُ العابرونَ لأرضهمْ وسمائِهمْ الصاعدونَ لشمسهمْ الحاملونَ من الضياءِ صلاتَهمْ وقيامَهمْ فسجودُهمْ في القدسِ لحنَ مجازهمْ».

يبدو القلق هنا قلقا وجوديا يتعلق بطوفان من الصور النّهمة في ترابط تناغمي يشبه صوت القيود في زنزانة عتمة.. ارتباطات تشعبية بين المقاطع.. خوف مركّب يربط متون القصيدة.. وسرد حثيث لمعاناةٍ تتفاعل مع حافظة المتلقي محدثةً حالة من القلق.. والإنجاز الشِّعري هنا هو في تجسيد القَلَق نفسه في صورة عابر لفلسطين بقاموس يساور حاسة المقاومة ويختم أبهة المشهد في ربط السّجود بالمجاز ليحقق الشاعر رهانا بليغا وبالغا مع اللغة محتفيا بالضياء كلحن للحرية:

«يا قدسُ تحملكِ البشارةْ

من أيِّ باديةٍ أتوا برحالهم

والبرتقالُ على يديها غارقٌ

بالحُلم

أو بالحزنِ

والألمِ المؤثِّثِ

والدموع

في أيِّ أرض أنتِ ساكنةٌ؟

هل تعشقينَ البرتقالْ؟».

بمجرد ذكر القدس، تصبح اللّغة كائنا جريحا والشّعرَ إنسانا.. يصبح النّداء قلقا، والسؤال قلقا أكبر.. وكأن التّيه الذي يغسل آثام الحرب هو الدّم الذي يضجّ في عروق النّص.. صخب وعشق وموعد انبلاج لرسالةٍ ما يبقيها الشّاعر قيد القلق الذي جُبل بها طين القصيدة.. البرتقال بحدّ ذاته قلق يستجير بتراب القدس.. المعنى الحامض إذن.. وذلك السؤال الذي يتعدى كل احتمال إلى النّبش في العتمة، لتمرير شعرية اللّحظة:

«عُدْ يا صبيُّ

ولا تعشْ ليلاً بقارعةِ الطريقِ

إذا انقطعَ الطريقُ

عن المسيرْ

واصلْ لهاثَك خلفَ باصٍ متعبٍ اعبرْ

فصوتُ خطاكَ موالٌ كسيرْ».

هي لغة لها شأنها وعنفوانها.. ولها سرّها الطريّ في وخز خاصرة المتلقي.. فالقلق يحوّل النّص إلى فضاء مفتوح من الذّاتية إلى الكونية، ويتجسد ذلك في الهزائم التي ترصد الأنفاس وفي مجابهة الموت كما جاء في قصائد الشاعر الجداية:

«كُنْ كالعبيرِ

فلا تكُنْ غير الحمامِ

تطيرُ ِمِن سفحٍ إلى سفحٍ

ولو كسروا جناحكَ والمصيرْ

فأطلق لهمْ صرخاتِ قلبِكَ

وانتصرْ

فجناحُ دوريّ الحقولِ مُحلّقٌ

وجناحُ

مَن كَسَرَ الجناحَ

هو الكسيرْ».

تتمتع قصائد الجداية بتقاطعات صوتية جزلة ملفتة كأنها عقد يربط حبّاته بعضها ببعض، وأيّ انفلات فيها قد يُحدث انكسارا في الصورة.. كثافة شعرية عالية وبهجة سرّية تتخطى خطوط القلق التي هيمنت على نَفسه في هدير يخاطب الاحتمال. وقد حافظت المجموعة على التَموْسُق الخفيّ والتأثير العفوي مُشكّلة بذلك ظاهرة أسلوبية ومَشْغلا شِعريا خاصا بالشاعر، ممتحنا في القارئ الغربة والعشق والوطن والإنسان.

• كاتبة جزائرية مقيمة في الأردن

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }