كتاب

الدستور بين الحيوية والتصنيم

تفترض الفلسفة السياسية الدولة بوصفها كياناً أبدياً، مع أن التاريخ يكاد يقدم البينة الدامغة التي تدحض هذه الفكرة، إلا أنه لا يمكن أن يتطرق أي دستور إلى أن مشروع الدولة التي ينظمها هو مشروع مؤقت أو مرتبط بإطار زمني، ويبقى السؤال حول الدولة وتطورها، فالدولة هي مشروع يعيش داخل الزمن، ويتعرض لتقلباته ويخضع لمتطلباته، وبعض الدول أكثر نضجاً من غيرها، ودول أكثر مناعة من الأخرى.

العلاقة بين الدولة والدستور هي علاقة جدلية وكما يجب على الدولة أن تحترم الدستور بوصفه أهم وثائقها، فإن على الدستور أن يعبر عن مصلحة الدولة التي يشكلها التاريخ وتحدياته ومتطلباته، فالدولة يمكن أن تعيش دون دستور كما الحال مع المملكة المتحدة، أعرق الديمقراطيات في العالم، والدستور بحد ذاته لا يمكن أن يكون مبرراً ولا أساساً لقيام الدولة، وإلا لقام مواطنو كتالونيا أو اقليم الباسك بالمبادرة إلى طباعة دستور يخصهم ووضعوه أمام الدولة في أسبانيا والمجتمع الدولي. وما يمكن الوثوق به من نتيجة أنه لا الدولة ولا الدستور يمكن أن يقفا طويلاً أمام حركة التاريخ أو إرادة الشعوب.

بدأت الأحاديث حول الدساتير في الدول العربية في فترة ما بعد الربيع العربي، وكانت الشقيقة مصر طرفاً في أحد الجدالات المطولة، وتمثلت الحجة التي ساقها البعض للوقوف ضد تعديل الدستور في الدفع بعدم وجود أي دولة في العالم تغير الدستور بهذه الدورية، أي دون فاصل زمني كبير، وهي الحجة خاطئة، وأتت تهرباً من النقد المباشر للتعديلات الدستورية، فالدساتير تتغير وتتبدل وخاصة في حالات السيولة السياسية والاجتماعية كالتي شهدتها العديد من الدول العربية في العقد الأخير.

يغير الدستور من شكل الدولة، وشكل الدولة ليس مسطحاً، فهو شكل يتسم بالعمق ويقف وراءه أصحاب مصالح متباينة، وكلها مصالح مشروعة ومقبولة، إلا أن المعضلة الأساسية التي تواجه التعديل الدستوري أياً يكن يكمن في أن الدستور القائم يمكن بعض الفئات من مواقعها، ولذلك تتوجه العملية تجاه تصنيم الدستور وتحويله إلى نص مقدس لأن بقاءه سيحول دون التغييرات التي قد تزيح بعض أطراف الطبقة السياسية أو كامل كيانها عن مواقعه في منظومة الدولة، ويعتبر ذلك معيقاً للإصلاح ولإعادة هيكلة الدولة والإجابة عن أسئلتها المتجددة، وكثيرة هي الأسئلة في فترات التحولات والتحديات.

من الضروري احترام الدستور كأداة لمصلحة الدولة وشعبها، لا أن يعتبر في مكانة مقدسة ومحصنة من متطلبات التاريخ.