نتيجة إطباق تيار النخب الرسمية الخناق على روح الأحزاب كما وضّحت في الجزء الأول، خفتت أصوات الكثيرين من أصحاب الرأي والراغبين في دخول معترك السياسة ممن هم خارج إطار السلطة لعدم توفر أدوات المنافسة مع التيار التقليدي السلطوية والعشائريّة والمالية، فخسر الفريقان.
ورغم خسارة الوطن للعديد من أولئك الواعدين وأفكارهم الخلاقة، سعى الكثيرون إلى تأسيس الأحزاب وبات لدينا ما يناهز الخمسين منها حتى الآن، فوجدت الأحزاب من حيث الشكل والكم وغاب المشروع السياسي نوعاً وموضوعاً رغم أنه اللاصق الأهم لهيئآتها المركزية وركن قيامها واستمرارها.
فالوصول إلى السُّلطة وتداولها ليس هدفاً مشروعاً للحزبيين فحسب بل هي حاجة الوطن منهم وحاجته إليهم كذلك، لكن تلك غاية لن يقدر لها النجاح في ضوء المعطيات الحالية إما لضعف الوسيلة العقائدية أو الفكرية التي تمثل نقطة التجمع أو لارتباط قرار بعضها–الأحزاب–بالإدارات المرجعية المركزية في الخارج ما يعيق استقلالية المواقف ويتحكم في طبيعة الاستجابة للأحداث الوطنية حضوراً أو غياباً وكذلك الإصطفاف إزاء القضايا المشتركة للأمّة، ونتيجة للزحام غير المنتج وفقدان المشروع السياسيّ غاب الحزبيّون عن تشكيلات الحكومات–إلّا ما ندر?وبقيت الجغرافيا كضابطٍ أبرز، وسمح ذلك الفراغ كذلك بتقدّم قوى مرحليّة كالجماعات الضّاغطة أو النقابات المهنيّة.
وحتّى نتجاوز أسباب التّراجع ونُبقي على الأمل المعقود نحو التّغيير، علينا تعزيز أسباب التقدّم وعوامِلِه التي تنطلق من نقص تعانيه الأحزاب يتمثّل في بعض الرجعية لدى اللاعبين وتقليدية في ميدان المنافسة.
فالعامل الأوّل للنجاح هو إستغلال الفرصة السّكّانيّة–تفوّق العنصر الشبابيّ في الدولة كما فعلت القارّة العجوز لدى نهضتها–ويكون هذا بفتح قنوات التعبير المنظّمة في بيوتات الفكر كالجامعات والتجمعات الشبابيّة وما هو في حكمها مع ضرورة إتّساع صدر الدّولة لها، والثاني حُسنُ استعمال الفضاء الإلكترونيّ وأدواته لغايات الوصول إلى الجماهير وإستقطابها عبر نشر البرامج والأفكار والإشتباك الإيجابيّ بما يتوفّر من وسائل تقنيّة منتشرة في المملكة بشكلٍ قياسيّ.
فعوامل نقص التمويل وتمدّد دوائر النّفوذ المجهضتان للجهود الحزبيّة النّاشئة تذوبان أمام الوسائل غير الرّجعيّة والفكر الشّبابيّ التّقدّمي الحداثيّ غير المُستَهلَك ولا المُنَفِّر.
أمّا عن دور الدّولة، فانتخاباتٍ حرّةٍ نزيهة قادمة تكمل مثلّث واجباتها تجاه الأحزاب بعد أن سعت جزئيّاً لإنهاء حالة الفوبيا الشعبيّة عبر توزير حزبيّين، وأقرّت نظام المساهمة في دعم الأحزاب السياسيّة.