صداع مزمن ينتاب رأس السنة في كل عام جراء هذا الصخب الفضائي المليء بالتوقعات لأصحاب الأبراج وما ينتظرهم من ثراء موعود وأموال يصعب عدها !، والتبشير بما هو قادم من أحداث سياسية وكوارث طبيبعية، و(تثاؤب ألكتروني) يدفع الكسالى لاقتباس عبارات تهنئة تقليدية مبرمجة من مواقع النت تخلو من العفوية والصدق ، وعلى الجانب الاّخر أناس حالمون كُثُر أغفلتهم وسائل الإعلام المرئي والمسموع ، وبين الفينة والأخرى يحظون بشيء من الإنصاف وعلى أيدي سينمائيين مبدعين رصدوا عوالمهم الخفية المليئة بحكايات ومشاعر لها خصوصية في ليلة ليست كباقي الليالي تعارف على تسميتها ليلة رأس السنة.
أفلام اليوم الواحد..
الليلة الأخيرة من كل عام كان لها حضورها المؤثر في السينما العالمية ما شكَّل دافعا لإنجاز مجموعة كبيرة من الاعمال تزخر بلمسات إنسانية استدراكا لحالة التراجع الحاصل في القيم الإجتماعية وكضريبة مضادة بسبب ما وصل اليه الغرب من تقدم تكنولوجي ما أفرز حالة من العزلة والتفكك الأُسري قد يؤدي لانهيار هذه الدول على المدى البعيد، من هنا كانت ليلة رأس السنة إحدى الفرص المواتية لإحياء قيم الترابط والتواصل بين الناس، وعبر اعمال سينمائية تكمن روعتها في المضمون والمتعة البصرية التي تشد المشاهد ما يحدث تحولاً ايجابياً في سلوكه واعادة حساباته في مناحي كثيرا من حياته، لابل تجعله يعاود مشاهدته في كل عام مع حلول هذه المناسبة.
أعمال كثيرة يمكن تناولها فيما يتعلق بهذه النوعية من الأفلام الأجنبية، ومنها فيلم الآطفال «ليلة رأس السنة» وبنفس العنوان فيلم للكبار انتاج 2011 للمخرج جاري مارشال ويجمع نجوم السينما العالمية من الكبار امثال روبرت دي نيرو بالإضافة لممثلين متميزين من جيل الشباب، ويتطرق الفيلم للمسات انسانية تركز على إحياء قيم الحب والصداقة والجيران والمرض والولادة وتدور احداث الفيلم خلال 24 ساعة وهو من نوعية ما يعرف بأفلام اليوم الواحد.
نرجس..
افلام اليوم الواحد او الليلة الواحدة ليست بالمهمة السهلة وتحتاج لمخرج متميز يستطيع أن يحشد كل الأحداث الحاصلة في هذه الليلة وبطريقة مقنعة للمشاهد بعيدا عن الحشو والركاكة، والسينما العربية لا تخلو أيضا من مخرجين جديرين بهذه المهمة التي أداها باقتدار كل من داود عبد السيد وعاطف الطيب، ومايميّز هذه الأعمال أن ليلة رأس السنة هي محور أحداث الفيلم وليست حدثا مكملا لسيناريو العمل كما جرى بالعديد من الأفلام العربية القديمة.
لوحة سينمائية ومتعة بصرية خطها المخرج داودعبد السيد بفيلم (أرض الأحلام) انتاج عام 1993 لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة ويحيى الفخراني، لمحات انسانية تضمنها هذا الفيلم جاءت متوافقة مع المثل الشعبي (كل تأخيره وفيها خيرة)، إذ أن التأخير يمنح تأثيرا ايجابيا احيانا يدعو الإنسان للتأمل وإعادة النظر في أمور كثيرة من حياته، وهنا تأت حكاية الأرملة (نرجس) أو فاتن حمامة التي تستعد للهجرة للولايات المتحدة،إلا انها تفقد جواز سفرها قبل يوم من سفرها الذي تصادف في اليوم الأخير من السنة، فتعاود الذهاب للأماكن التي ارتادتها ذاك اليوم على امل ايجاد الباسبور لتلحق الطائرة في الموعد المحدد.
عتبة ..
تقودها قدماها لدار المسنين الذي تقيم بها والدتها، وهناك تتأمل كبار السن الذين تخلى عنهم ابناؤهم وهم يحتفلون في ليلة راس السنة، ويستوقفها مشهد المرأة المسنة التي تغني (ليالي العمر معدودة) للمطربة شادية، ثم تذهب للسينما بحثا عن والدتها المسنة التي قررت الإحتفال بهذه الطريقة مع صديقها المسن في الدار نفسها، وتتوجه للساحر المدعي رؤووف (يحيى الفخراني) الذي التقت به في اليوم نفسه وتوقعت ان تكون قد نسيت الباسبور عنده، ويتسنى لها مشاهدة ما يقدمه من فقرات الألعاب السحرية، ويأخذها بدوره للعرافين وأصحاب الكرامات الذين يتكاثرون في هذه الليلة خاصة، على امل أن يرشدوها للمكان الذي فقدت به الباسبور، ويتصادف في طريقها أيضا بعض المتشددين من رجال الدين، وعازف عود مغمور ينحني ليلتقط قطعة نقدية من فئة (الشلن).
علاقتها برؤوف تأخذ بعدا انسانيا خالصا وما يجمعهم أنه وحيد بدون أهل أو أبناء وهي أرملة ابناؤها منشغلون عنها، وتتجلى هذه العلاقة الإنسانية لحظة دخوله المستشفى، وفي النهاية تجد جواز السفر الا انها تلغي مشروع الهجرة،وتنطلق للبحث عن رؤوف لتبلغه بذلك بعد اكتشافها لعوالم جميلة في بلدها لم تعشها من قبل، أثارتها أجواء ليلة رأس السنة بما تحمله من دلالة فهي (عتبة) للإنتقال لعام جديد تفرض بطبيعتها إعادة النظر في مسار حياة كل فرد، والرسالة الأسمى التي يقدمها الفيلم ان العلاقات الإنسانية هي مرحلة متقدمة على ما يمكن تسميته حب أو علاقة عاطفية.
ترميم ..
لمسة انسانية أخرى من افلام اليوم الواحد كانت للمخرج عاطف الطيب كما سبق، وضمن احداث فيلم (ليلة ساخنة) انتاج 1995 لنور الشريف ولبلبة في أدوار سيد وحورية، سيد سائق التاكسي الأرمل الذي يعتني بابنه الوحيد المعاق ومطلوب منه دفع مبلغ (200) جنيه مصاريف عملية جراحية لحماته التي ترعى ابنه فيستغل فرصة ليلة رأس السنة للعمل على التاكسي لتأمين المبلغ، وعلى الجانب الاّخر حورية المسؤولة عن أختها الطالبة وتسعى جاهدة لتعليمها، تواجه التهديد بالطرد من صاحبة البيت لتأخرها بترميم جدران المنزل المتصدعة وتكلفته (300) جنيه، فتضطر للعودة لمهنتها السابقة كفتاة ليل في هذه الليلة من اخر يوم في السنة.
(الترميم) دلالة جميلة وظفها عاطف الطيب، ترميم حورية لجدران المنزل كناية عن الدعم والحماية للعلاقة الانسانية التي تجمعها بأختها المسؤولة منها، وهو نفس حال سيد الذي يسعى لترميم الوضع المعيشي لحماية ابنه وحماته التي ترعاه.
قدر ..
القدر يجمع سيد وحورية ليواجها معا احداثا خطيرة في ليلة رأس السنة ينجم عنها وجود حقيبة في التاكسي تحتوي على مليون جنيه بقيت من أثر مهرب تم تصفيته على ايدي عصابة، ويقرر سيد تسليم الحقيبة لمخفر الشرطة على امل الحصول على مكافأة تمكنه من تغطية التزامات كليهما، الا ان الشرطة تعامله كمتهم وبقسوة، ويعيد النظر بفكرة تسليم المبلغ ويوكل لحورية الاحتفاظ بالنقود، وان تدفع مصاريف ترميم منزلها وتكاليف علاج حماته ورعاية ابنه لحين خروجه ليتزوجا ويعيشا ضمن بيت واحد يجمع الأسرتين معا !.
تداخل
«ليلة البيبي دول» فيلم يعكس بعدا سياسيا يضاف لقائمة افلام اليوم الواحد من انتاج عام 2008، ويضم نجوم السينما العربية نور الشريف ومحمود عبد العزيز وجمال سليمان وسولاف فواخرجي، وتتداخل به الأحداث الانسانية والسياسية بحضور مرشد سياحي لمصر في ليلة رأس السنة بمرافقة وفد اميركي، ويستغل الفرصة لقضاء هذه الليلة مع زوجته وتتصاعد الأحداث بوجود مخطط ارهابي لقتل الوفد السياحي.
وفي السنوات الأخيرة عادت السينما المصرية لتقديم أفلام على غرار الأعمال الثلاثة السابقة مثل (حبيبي سكر مر) انتاج 2015، مع عودة أخرى لأفلام الليلة الواحدة بفيلم (رأس السنة) للفنان اياد نصار وإنجي المقدم، وسيعرض في مصر مع بداية عام 2020 بعد أن تأجل عرضه لاعتراض الرقابة على بعض المشاهد.
حدث عابر ..
افلام مصرية ليست بالقليلة كانت ليلة رأس السنة وكما سبق مجرد حدث ضمن مجموعة احداث تخللها سيناريو الفيلم، ومنها (جاءنا البيان التالي)2001، ويسلط الضوء على الإعلام الموجه الذي تمارسه بعض الفضائيات في ليلة رأي السنة تحديدا غايته تزييف الحقائق ونقل صورة زاهية مخالفة لحياة البائسين، عندما يلجاء المذيع (محمد هنيدي) وبإيعاز من القناة التي يعمل بها بدفع مبلغ من المال لهؤلاء المهمشين الذين يطلون على الشاشة بعد تغيير أقوالهم وظهورهم كمرفهين وسعداء على عكس الحقيقة والواقع الذي يعيشونه.
انشغال الناس بهذه الليلة وصخبها يعتبر كما جرت العادة مشجعا لأجواء الصفقات المشبوهة وتهريب المخدرات والانحلال الخلقي، وعلى عكس ظهوره بفيلم الأزواج الشياطين 1977 وتقديمه لفقرة خفة اليد في ليلة رأس السنة، قدم عادل إمام دور ضابط بفيلم (النمر والأنثى) 1988 يلقي القبض على عصابة تستغل ليلة رأس السنة لإتمام صفقة تهريب مخدرات، وهذا ماتضمنه فيلم (الباشا) لأحمد زكي ويؤدي دورضابط يعتقل رجل أعمال ينتهز هذه الليلة لإدارة شبكة دعارة.
نجوم الزمن الجميل..
احتفالات نجوم الزمن الجميل في ليلة رأس السنة كان له طابعا خاصا ورزينا ويبدو ذلك من خلال أرشيف صورهم القديمة ومن الطبيعي أن ما قدموه من أفلام تتتعلق بهذه المناسبة حمل طابعا رومانسيا وإنسانيا، في السينما الغنائية والإستعراضية وعلى سبيل المثال تم تقديم بعض أغنيات خاصة برأس السنة، الفنان شكوكو ومحمد البكار وتحية كاريوكا قدموا اسكتش غنائي بعنوان (رأس السنة) ضمن أحداث فيلم (خدعني أبي) إنتاج عام 1951 ومن كلماته: (دي ليلة حلوة وأبهة.. كل القلوب بتحبها.. ماراح ديسمبر وانتهى.. تلاقيه شاب وانحنى.. براس السنة)، ومن فيلم (أنا العدالة) 1961 وللمناسبة نفسها غنت مها صبري: (في السنة يوم بنتمناه.. عزيز علينا بنستناه.. عيد الهنا عيد المنى.. عيد الأحبة راس السنة).
وتتجلى المواقف الإنسانية في مجموعة أعمال أخرى تتمثل في أحداث ومواقف وقعت ليلة رأس السنة ومن بينها: (العروسة الصغيرة) 1956 و(هذا الرجل أحبه) 1962.
آحلام مئجلة
ويبقى فيلم (أغلى من حياتي) 1965 لشادية وصلاح ذو الفقار، واحدا من أجمل رومانسيات الزمن الجميل يطرح قضية المرأة عندما تكون الحب الأول في حياة الرجل، ويلزمها القدر أن تكون الزوجة الثانية في حياته، وتؤدي شادية هذه الشخصية ببراعة وهي تنتظره في ليلة رأس السنة، وعينها ترنو للساعة التي تعدت الثانية عشرة ولم يتمكن من الحضور مرغما لارتباطه مع الأبناء في هذه الليلة، وهي هنا تجسد حال الكثيرين ممن لا زالوا في هذه الليلة ومن كل عام ينتظرون تحقيق حلم ما يراودهم وطال انتظاره، ولعل الشاعرة دنيا ميخائيل هي أفضل من عبر عنهم بهذه الكلمات:
«هنالك من يدق الباب؟!.. يا لحزني.. إنها السنة الجديدة.. وليس أنت» ! .