يقدم الكاتب والباحث الأردني أحمد أبو خليل في كتابه الجديد «شاهد على الفقر» مجموعة من المشاهدات والدراسات والأفكار المتعلقة بجهود مكافحة الفقر في الأردن، ويمتد بحثه لرصد مجموعة من التحولات الاجتماعية المهمة التي أدت إلى تفاقم ظاهرة الفقر في العديد من الأماكن حول المملكة.
في كثير من مواقع الكتاب إشارات صريحة لضعف ناتج التدخلات الحكومية للحد من الفقر، وإتاحة الفرصة للفقراء من أجل العمل على ايجاد حلول لمأزق الفقر الذين يقعون فيه، محذراً من أن تؤدي هذه التدخلات إلى تعميق إشكالية الفقر بالتأسيس لثقافة الفقر التي يبدو متفائلاً بوصوله إلى نتيجة أنها لم تستقر بعد في الأردن.
يتتبع الكاتب مصير الأسواق الشعبية التي شكلت أحد مظاهر التدبيرات الناجحة التي يرتجلها الفقراء ويسعون إلى تنظيمها مع الوقت وبناء على خبراتهم المتراكمة، وبالتوازي يستعرض بجانب ذلك التدخلات الحكومية التي أدت إلى إفشال الأسواق واحداً بعد الآخر، والتي كانت تحمل دائماً تطلعات لتنظيمها وتحسين أدائها، لتأتي النتائج بأسواق مهجورة وهزيلة في أدائها كما هي الحال في سوق مريغة بمحافظة معان الذي جرى نقله لموقع دائم ومجهز لم يتمكن من التعبير عن احتياجات الأهالي الذين تخيروا سوقاً قريباً من الطريق الصحراوي يمكن من خلاله فتح قنوات أفضل للبيع والتداول، ولا تختلف التجربة في عمان عن غيرها في المحافظات، فالتدخلات التي قامت الأمانة برعايتها أسفرت عن معاناة بالنسبة للعاملين في قطاعات البيع على البسطات وغير ذلك.
يقف سوق جارا في جبل عمان والذي يتحول إلى حدث سياحي أثناء فترة الصيف ليقدم نموذجاً للعمل الأهلي في هذا المجال، فالسوق الشعبي لا يمكن أن تحدثه التداخلات الحكومية، إلا أن الفرق بين سوق جارا وغيره من الأسواق يكمن في توفر الجهة المنظمة التي تمتلك القدرة على التعبير عن نفسها والتأثير على صاحب القرار، وهو ما يفتقد له الفقراء على الرغم من محاولاتهم لتأسيس جهات تمثلهم وتعبر عن مصالحهم وتطالب بها.
التأمل في القصة التي يرويها أحمد أبو خليل ضروري بالنسبة لأمانة عمان التي عملت بكل تخبط وعشوائية على القضاء على أسواق عمان، وفرغت المرة بعد الأخرى المشروعات المقترحة لتشغيل الشباب ومساعدتهم من مضمونها، وكان آخرها تجربة المطاعم المتنقلة التي تحولت إلى مزايدة افتقدت لكثير من الشفافية، بينما كان المتوقع أن يتحول مكان مثل شارع الأردن إلى محطة تتجمع فيها هذه المطاعم والأكشاك لتصبح متنفساً جديداً لعمان.
الأسواق الشعبية تستطيع أن تستوعب آلاف العاملين من الأردنيين إذا تمت إدارة ملفاتها بصورة صحيحة ومنفتحة، فالسوق الشعبي أحد ملامح أي مدينة من لوكسمبورغ إلى كلكتا.