اكتب اليوم من الذاكرة دون الرجوع إلى مصادر فمصطفى أمين واحد من أهم صحفيي مصر في القرن العشرين عرفناه منذ اواسط الاربعينات مع شقيقه التوأم علي امين يحرران مجلة (الاثنين) التي كانت تصدر عن دار الهلال وتصل إلى اسواقنا وأشتريها مع صحف أخرى لمكتبة المدرسة وقد عرفنا لاحقاً ان الزعيم المصري الكبير سعد زغلول توسم فيهما النباهة في صغرهما فتبناهما وانفق على تعليمهما لكنهما بعد وفاته ارتدّا الى معاداة حزبه (الوفد) وخلال سنوات قليلة تفاجأ الناس اثر زيارتهما للولايات المتحدة بانشاء دار صحفية كبرى قيل إن اميركا مولتها وزودتها باحدث المطابع حيث اصدرا منها صحيفة (اخبار اليوم) التي اتسمت بالاثارة فتفوقت في توزيعها على جميع الصحف، واتضح للمراقبين انها تمهد للنفوذ الجديد في الشرق الأوسط كما وضعت نفسها في خدمة السراي الملكي ضد حزب الوفد حتى راحت تجتر حادث 4 فبراير 1942 الذي حاصرت فيه دبابات جيش الاحتلال البريطاني قصر عابدين لأجبار الملك فاروق على توقيع مرسوم باستدعاء مصطفى النحاس زعيم حزب الأغلبية (الوفد) لتشكيل الوزارة بدل علي ماهر رئيس ائتلاف احزاب الأقلية الذي اتهمه الانجليز بانه موالٍ لالمانيا النازية وكانت جيوش روميل في العلمين على حدود مصر الغربية.. وامعنت (اخبار اليوم) في نفاقها للملك حتى كتبتْ عام 1951 اثناء قيام الفدائيين المصريين بمهاجمة القاعدة البريطانية في السويس انه الفدائي الأول لتلميع صورته أمام معارضة عارمة من معظم فئات الشعب بقيادة حزب الوفد.. وبفضل علاقته بالقصر أصبح لمصطفى امين نفوذا كبيرا في الحكومة وخارجها حتى رحب به الوسط الفني السينمائي كاتباً لقصة فيلم أم كلثوم (فاطمة) وتزوج شادية سراً ثم توهّم انه قادر على (صنع) مطرب جديد يدعى كمال حسني فانتج له فلماً فشل واختفى المطرب!
وعندما قامت ثورة يوليو 1952 كان ممن انقلبوا على مواقفهم السابقة فأيد محمد نجيب ثم عبد الناصر وشن حملة تشهير بعنوان (ملك فاسق وبطانة فاسدة) وكتب بخيال مريض مسلسلاً صحفي عن علاقاته الجنسية بنجمة الاغراء كاميليا لكسب ثقة رجال الثورة وإبعاد انظارهم عن اتصالاته المشبوهة بالسفارة الاميركية التي انكشفت بعد قليل وحكم عليه بالسجن حتى خرج في عهد السادات وألف كتاباً عن تعذيب المعتقلين من الاخوان المسلمين تزلفاً لهم!
وبعد.. قلت في العنوان انه (بلا مناسبة) وما دفعني لكتابة هذا المقال إلا اهتمامي بالتقاط وقائع ومواقف تشير الى بدايات حلول امبراطورية استعمارية جديدة هي الاميركية محل الامبراطورية البريطانية ليس في مصر وحدها حيث اخترت هذه المرة قصة مصطفى أمين نموذجاً اذ لابد انه تكرر في دولٍ عربية أخرى!