في مثل هذا الشهر من عام 1977 وبالتحديد في يوم رأس السنة ظهر مقالي الأول في جريدة الرأي بترحيب خاص من الراحل محمود الكايد رئيس التحرير آنذاك فيعقوب عويس الذي كتبت أنعيه كان صديقاً مشتركاً لكلينا وكاتباً صحفياً ساخراً من طراز مختلف رافقتُه في جريدة (الشعب) في العامين السابقين، هو يكتب يومياً وأنا اكتب أسبوعياً إلى أن أُغلقتْ بقرار عُرفي! وفي الرأي واصلتُ الكتابة المتقطعة في البداية ثم بانتظام كل أسبوع دون أن اتقاضى أجراً سوى في فترة قصيرة لم تدم سوى بضعة شهور وبمكافأة أخجل أن أذكرها، فقد كان الأهم عندي ألا ابتعد عن قرائي وأن استجيب للدافع الآتي من أعماقي بضرورة نشر ما يدور في خلدي من أفكار وآراء وملاحظات واضعاً خبرتي وثقافتي والمستخلص من اطلاعاتي في خدمة مسيرة التقدم التي ينخرط فيها شعبنا الى جانب شعوب العالم في مواجهة شتى الصعاب والعقبات، أما كم كنت أنجح أو اخفق فذلك ما لا أجيب عليه بل ادعه للآخرين لكني أكتفي بالبوح بأني لم اكتب قط بخفةٍ أو عفوَ الخاطر ولم أستهنْ يوماً بعقل القارئ إذ أحضّر درسي بعناية فاقرأ كثيراً قبل ان اكتب ذاك القليل ملتزماً بنصيحة العظيم طه حسين قبل سبعين عاماً، ولا أنكر أنني كنت في بعض الأحيان أدنو من الإحباط والخيبة واكاد أتخذ قراراً بالتخلي عن الكتابة لكن ارادة الاستمرار كانت تتفوق لديّ على ما سواها وأجدني منكبا على قلمي بشوق وشغف وحماس لأحس بعدها بارتياح كبير..
لقد عايشتُ في حياتي كثيراً من الكتاب الذين كنت أقرأ لهم، بعضهم غادر الساحة عندما غادر هذه الدنيا وبعضهم تخلى عن قلمه مرغماً لمبرراتٍ مختلفة وبعضهم الثالث بمحض رغبته وارادته ولكلٍّ علاّته الخاصة التي كنت اتفهمها فأعذره أو لا تقنعني فأغضب..
وبعد.. فبمناسبة مرور 42 عاماً على الكتابة في الرأي بعد ما كتبتُ لسنوات قبلها في (الشعب) و(السماعة) أجدني اليوم أطرح العنوان السؤال: ألم يحن الوقت لمغادرتي؟ومع أني أعرف الجواب وأراه جلياً واضحاً أمام ناظري ما لم أُكره على سواه (!) أرجو إلا تذهب بكم الظنون بعيداً فعلاقتي بهذه الصحيفة التي أحمل لها وللعاملين فيها المودة والتقدير وقد دامت كل هذا الزمن الطويل ليست علاقة عابرة بل راسخة في وجداني كما أظنها راسخة في وجدان المنصفين حين يفهمونني جيداً، ولا أنكر البتة أن الرأي تحمّلتني في عهود بعض رؤساء التحرير الذين سببتُ لهم إحراجاً بآرائي المخالفة للسياسية العامة للصحيفة.. وربما مازلت!