... أهم دور أنيط بي في الصف الرابع الابتدائي (ب), هو رفع العلم.. وقد كلفني بذلك الأستاذ (محمود البستنجي), والسبب أني حصلت على علامة كاملة لديه, في مبحث الدين ومبحث الاجتماعيات.. كان محمود البستنجي يكافئنا على تفوقنا, برفع العلم.
جئت إلى المدرسة يومها, في السادسة صباحا قبل أن تفتح, ومشيت بجانب العلم, وتفقدته... وكان الأمر لدي أشبه بانتصار عظيم, لن يمر عليّ لا في حياتي القادمة ولا فيما مضى من العمر..
دق الجرس, واصطف الطلبة, وبدأت تمطر.. كنا في الشهر الأول من العام (1982)... وكان برد هذا العام أشبه بالعقاب القاسي جدا, وضع السلام الملكي على السماعات الخارجية, بدأت بشد الحبل رافعا العلم... لم أشعر يومها بجسدي النحيل, فقد ارتفع (الجاكيت) وقميصي الصغير خرج من البنطال, والمطر كان حادا, ومثلي مثل العلم صارت تلعب بي الريح يمينا وشمالا.. ودخل المطر إلى أعماق (بنطالي).
انتهى السلام الملكي, وبقيت واقفا على السارية, لم أنتبه لما يحدث حولي... إلى اللحظة التي نبهني فيها الأستاذ, ونزلت من السارية أبكي.. لا أعرف لماذا وقتها, هل لحجم البرد.. أم لفرحي, أم للانتصار الذي حققته, أم لعمري الذي يبلغ وقتها (9) سنوات..
ضحك طلبة الصف الرابع, والمدرسة كلها ضحكت عليّ.. وبقيت للحصة الثانية الملم دمعي, لكنه لم يجف أبدا..
كأن أول درس في الوطنية والحب تلقيته في حياتي, وربما بكيت لأني أحسست بروحي مثل العلم, تلعب بها الريح.. تحملها تحضنها تأخذها يمينا تارة وتارة شمالا..
أقبل كل شيء في هذا العمر: النقد, الهجوم الحاد, التجريح... ولكني لا أقبل أن أجرد من حبي لهذا البلد, فمازالت دموعي تسري كلما ارتفع العلم.. منذ الصف الرابع الابتدائي, منذ أن كان عمري (9) سنوات.. وكلما سمعت السلام الملكي في الإذاعة, أو التلفاز.. أو حتى في المقهى, سرى دمعي على خدي... وارتفع البكاء.