يتذكر القارئ العزيز المسلسل الكوميدي السوري «الدغري» الذي عرض في بداية التسعينات وقام ببطولته الممثل القدير دريد لحام وقد تابعه المشاهدون بشغف شديد وربما كتب عنه العديد من المحللين والكتّاب، وتدور أحداث المسلسل حول شخصية أصبحت رمزا أو كناية لكل من يكون ديدن حياته الكذب والانتهازية للوصول الى الغاية واقتناص الفرص والبحث عن منصب عن طريق الاستجداء والنفاق وتبجيل من يعلونه سلطة وتأثيرا، والشخصية الرئيسية محور وموضوع المسلسل التي جسدها شخص يدعى «الدغري» والتي يمثلها شخص يدير المجلس البلدي في قريته ويصور المسلسل هذا الشخص بأنه دجال ومنافق يعطي من طرف اللسان حلاوة ويروغ كما يروغ الثعلب، لا ينفك عن اتباع كل الطرق الملتوية بما فيها حرق البخور، والتحدث بمعسول الكلام – وصرف عبارات النفاق والمداهنة لتسويق فتاواه المضللة والتي لا يجيد غيرها للوصول الى غايته.
شخصية الدغري توجد في كل الازمنة والأماكن وقد تساعده بلاغته اللغوية الضارة والتي ينحصر نطاقها بمخاطبة الناس كذباً وزوراً كالقول يا صاحب الشرف الرفيع يا ابن الأكرمين... أيها الذات.. يا نبراس العدل.. أما الحركات والهمبكات التي ترافق كلامه فتأخذ أشكالا متعددة مثل الركض امام المسؤول الى المصعد او فتح باب السيارة له او ادخال رجل المسؤول الى المقعد الامامي للسيارة واطباق الباب برفق وهو يتمتم رافقتك سلامة الله... بأمان الله.. أودعتك رب العزة.
المرور على شخصية الدغري وأمثاله من الانتهازيين في المجتمعات العربية الذين يستعينون بكلمات السجع وكلمات التعظيم تلك التي كرسها نوع من الأدب العبثي لم يضف إلى اللغة والتراث أي اثر إيجابي على اثر شيوع عصر المحسنات اللفظية على يد الحريري والهمذاني ومقاماتها التي انصرفت الى الشكل وليس الجوهر، وهذا ما يبدعه أصحاب الشرف الوضيع بالإضافة الى مهارتهم بحياكة المكائد ودق الاسافين كما صورتها الشخصية الانتهازية للدغري وهي للأسف ما زالت تلقى قبولا وطربا في مجتمعاتنا كما لقي الحريري قبولا في عصر المحسنات اللفظية في حين بقي الكاتب الرزين أبو حيان التوحيدي معتكفاً في منزله.
حدثني شخص موثوق بـأنه شهد أحدهم وهو يقدم الشاي والحليب إلى أحد المسؤولين بيديه ويقول له: يا صاحب الشرف.. اقسم بكل مقدس، وراس جدك أن وضوئي ما زال قائما.. لكم أن تتخيلوا كيف يتم تكليف هؤلاء الأبالسة والمنافقين بمهام جسيمة في مشروع نهضة الأمة، وبناء الأوطان، وتقدم الدول والعلوم وتحقيق العدل في عالمنا العربي الذي أصابه الملل من انتقال هؤلاء الدغريين من متراس كمين الى متراس كمين آخر ليعيث فسادا في الأرض.