كتاب

التحفيز الملكي والملكية الدستورية

كشفت التوجيهات الملكية الأخيرة للحكومة -وقبلها الكثير- استقرار الذهنية البيروقراطية لدى الطبقة الوزارية وإنكفاء المسؤول عن المبادرة واجتراح الحلول بلا ترهيب أو ترغيب محلّهما بقاءه أو رحيله.

وحتى في هذه المسألة، تتفاوت استجابة الحكومات والمسؤولين على اختلاف درجاتهم مع التوجيهات الملكية من حيث وقت الاستجابة وحدودها، ولا بد لهذا من خلية عمل دائمة الانعقاد تتابع الإنجاز وتقدم التغذية الراجعة حيث إن لي تجربة شخصية مع تلك التوجيهات التي انتهت كما كثير من سابقاتها إلى لا شيء إما لعلّة البيروقراطية أو ضعف المتابعة.

الحقيقة، أن الجميع وعلى رأسهم الملك يرغبون بالوصول إلى المرحلة التي يقوم فيها المسؤول بواجبه دونما حاجة إلى قوة دفع وتحفيز، فحتى الصلاحيات الملكية مرهونة بنصوص بالدستور ومحكومة بحدودها، وعليه تقتصر على التوجيه والمتابعة ما أمكن وإيقاع الجزاء السياسيّ لدى ثبوت الإخفاق.

وفي هذا جواب على وصول بعض غير المؤهلين لمواقع المسؤولية، فقد تطرقت عبر مقالتي السابقة للتقييمات التي جانبت الموضوعية والمصداقية سلباً و إيجاباً فأسمهت باستمرار الضعفاء وسهّلت صعودهم سلم الوظيفة العامة إلى أن تبيّنت قدراتهم وثبت عدم أهليتهم، وهذه من مسؤوليات الحكومات لا السدة الملكية.

ويُختزل المخرج نحو التغيير في نظر الكثيرين بالحكومة البرلمانية، وهذا أمر لا بد من إخضاعه للحسابات الدقيقة قبل الولوج إليه اجتناباً للفكرة الأسوأ وهي احتكار السّلطة أو السّلطتين بعبارة أدق، وسندرك عندها صلافة النصوص الدستورية وحزمها إذا ما طوّعتها القوى المسيطرة على السلطة في سبيل البقاء رغم رفض الشارع عندئذ، فلا الأقلية البرلمانية قادرة على تأمين النصاب القانوني لطرح الثقة بالحكومة ولا الأغلبية تقبل فكرة إقالة حكومة انبثقت من رحمها، ولنا أن نتخيل ماهية الرقابة البرلمانية حينئذ!

وإن ولادة هذه الفكرة مرتبطة بمنظومة حزبية قادرة، وأظن أننا لم نمتلكها بعد حيث أن معظم القوى الحزبية في بلادنا مستوردة العقيدة كما أن غالبيتها تعيش في أنظمة الحزب الواحد الذي لا يقبل القسمة، وهذا ما لا يتناسب مع واقعنا الأردني.

أذكّر بهذا كون الحكومة البرلمانية ستتصدر المطالب والشعارات كلما اقتربنا من الميقات الدستوري للإنتخابات النيابية القادمة، وستكون كـ«حصان طروادة» إذا لم تخضع للفحص الدقيق من حيث الوسيلة والإنتاجية نقطة الرجوع بأقل الخسائر.

فما زلنا نناشد الملك للتدخل في أبسط الأمور وأصغرها، فكيف سيكون الحال إذا أُطبقَت القبضة ذات اللون الواحد على السلطتين التشريعية والتنفيذية؟!

علينا أن ندرك خصوصية بلادنا، وأن نمتلك من الشجاعة ما يمكّننا من تشخيص أدواتنا بدقة وموضوعية، ثم لنؤسّس إلى برلمانات وحكومات تكنوقراطية من رحم الشعب وبفعل يديه، فبغير ذلك لن تفلح الوسائل جميعها في أي تغيير إيجابيّ يذكر، وسنبقى ندور في ذات الحلقة والمربع!