..يقول الفيلسوف والكاتب الفرنسي الراحل روجيه جارودي «السياسة الكبرى هي كيفية إعداد شعب إعداداً جيداً من اليمين إلا اليسار، عن طريق الشاشة الصغيرة، وهو يبتسم في سعادة وغفلة! وإذا كان من السهل حكم الشعب الجاهل فما أسهل ذلك عن طريق الشاشة الصغيرة».السياسة في كل مكان حولنا، قد لا نرغب في ذلك، ولكن نشارك بهذا النشاط السياسي شئنا أم أبينا! وذلك من خلال نشاطاتك التي تمارسها كل يوم، ؛فمثلاً في كل مرة تشتري فيها شيئاً ما، أو تشاهد الأخبار، تكون بطريقتك الخاصة بك تضع علامتك على المشهد السياسي للبلد، وذلك عن طريق تفضيلك شراء علامة تجارية على أخرى، فإنك تعطي هذه الشركة دعمك، وتصبح جزءًا من إحصاءاتها، مما يجعلها أكبرمن خصومها وأكثر أهمية بشكل عام. عندما تشاهد قناتك الإخبارية المفضلة، أو تقرأ جريدتك المفضلة، فأنت لا تعطي هذه المنافذ دعمك فقط، ولكنك تسمح لنفسك أن تكون أكثر انفتاحاً على الطريقة التي يرون بها العالم كمؤسسة؛فالأخبار التي تشاهدها ستشكل الطريقة التي ترى بها العالم، وكيف تتصرف فيه.
..كان التعليم السياسي وما زال في المدرسة محزناً، في الواقع، نستطيع القول بأنه ليس موجوداً! كل ما نعرف عن السياسة قبل الذهاب إلى الجامعة جاء من البحث الخاص، ومن خلال مناقشة الأمور مع العائلة والأصدقاء.ليس من المتوقع أن الجميع يرغب في الدخول في هذا المجال، ولكن ما يجب التركيز عليه هنا، هم قطاع الشباب، وتشجيعهم للانخراط في العملية السياسية والديمقراطية بشكل أكبر مما هم عليه في الوقت الحالي، وأفضل طريقة للقيام بذلك هي من خلال التعليم، ولكن المشكلة تكمن في أن الأسر لا ترغب في ذلك لأبنائها! وهذا أيضا ينطبق على الأفراد الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف هذا التعليم.ولكن يمكن من خلال التعليم السياسي السهل الوصول إلى هذه الطبقات كلها، لأن التعليم يُولد الاهتمام، ولكن الاهتمام لن يؤدي دائماً إلى التعليم.
..لا توجد وسيلة للناس لكي يتعرفوا على المصطلحات السياسية ورتوشها المختلفة دون تعليم! فعالم السياسة عالم مربك، ولا نتوقع من الناس أن يُعلمّوا أنفسهم من الجهل الكامل في السياسة إلى الفهم الكامل فيها دون مساعدة، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا قطاع الشباب هم القطاع الأقل مشاركة في السياسة، مقارنة بالقطاع الأكبر سناً؟ والإجابة على ذلك أن قطاع الشباب لم يتح له الفرصة الكافية للانخراط في العمل السياسي، واكتساب الخبرة والتجربة، هذا عدا أن السياسة والسياسيين يريدون إبعاد هذه الطبقة عن الحياة السياسية حتى لا يحاولوا التغير أو التأثير في هذه الجانب السياسي أو ذاك! علاوة على ذلك، أن طبقة المراهقين والشباب هذه، لا تتوقع منها أن تقضي أي جزء من وقتها للجانب السياسي، ولذا وجب إدخال التعليم السياسي من خلال المناهج في المدارس والجامعات.
..وأخيراً، أنا لا أطلب تعليم طلاب المرحلة الأعدادية خصوصيات السياسة الضريبية للحكومة، ولكن أقول ببساطة يجب تعليمهم، ماهية الحكومة؟ ومن هم الوزراء؟ وكيف تعمل الحكومة من خلال أنظمتها المختلفة..الخ. ومع تقدم الطلاب إلى المرحلة الثانوية، نستطيع تقديم نوع آخر من التعليم السياسي، له علاقة بكيفية العملية الانتخابية، وكيفية اصدار الفواتير المختلفة وكيفية قراءتها..الخ.أما في المستوى الأعلى لطلبة الجامعات، نستطيع تعليمهم تعقيدات مجلس الوزراء، والخدمة المدنية وما هي أشكالها، وكيف ترتبط هذه الخدمة بصورتها الأكبر بهم! ما أقصد به هنا، أن هذا التعليم السياسي أهميته تكمن في خلق جيل قادر على تكوين آراء منطقية خاصة بهم، ومقاومة تأثير الآخرين، ووسائل الإعلام عليهم، ودعم آرائهم وتشجيعم على التفكير السياسي البنّاء!