صدر للأستاذ الدكتور محمد عبد القادر خريسات كتاب جديد عن دار ورد للنشر والتوزيع، تناول فيه القبائل العربية التي استوطنت الأرض الأردنية في الفترة العثمانية التي امتدت أربعة قرون. كان للقبائل فيها دور مهم من الناحيتين الإيجابية والسلبية.
بحث الدكتور خريسات سيرة هذه القبائل ونسبها معتمداً على الدفاتر العثمانية التي اطلع عليها، والوثائق التي حصل عليها، وكتب الرحالة الذين زاروا الأردن، وأشار إلى نقطتين مهمتين:
الأولى: أن الناس أمناء على أنسابهم، وإنما يعرض الباحث ما توصّل إليه، وما ذكره غيره. وثمة أمر لم يلتفت إليه الكثيرون ممن بحثوا في الأنساب هو أن من يتعلّم هذه الأنساب ومن يبحث فيها، لا يحق له الطعن فيها مهما كانت الأسباب.
والثانية: أن التداخل في أنساب الناس حقيقة لا يمكن لأحد نكرانها، أو إغفالها. فالأحلاف القبلية، والمصاهرات، والجوار، والتنقل، وقضايا الدم وغيرها، أدت في حالات كثيرة إلى مثل هذا الاختلاط.
وقد ذكر الباحث كثيراً من البطون التي كانت موجودة في قبائل كبيرة، ثم اختفت بعد ذلك، وحلّ مكانها بطون أخرى، من غير ما سند تاريخي يوضح ذلك، فجاءت بعض القبائل أحياناً متعددة البطون، كثيرة الخانات والأسر، وأحياناً كان عدد بطونها وخاناتها وأسرها يتراجع كثيراً.
وحول تأثير القبائل في الحياة العامة، أشار الباحث إلى أمور منها:
أولاً: التعريف بالقبائل التي استوطنت الأردن في أثناء الحكم العثماني، وإثبات أن هذه الأرض كانت مأهولة بالسكان المستقرين، والبدو، وأن مسرح هذه العشائر والقبائل من مشارق دمشق إلى سيناء، وأن هذه القبائل أردنية كانت تستوطن الأردن قبل ظهور الاسلام، وعلى رأسها جذام، ولخم، وطيئ، وسليح وغسان، وبليّ وغيرها. وأنها تتوزع بين جذمي القبائل اليمانية الكهلانية والحميرية، وانضمت إليها لاحقاً أخواتها التي شاركت في فتوح الشام.
ولما كان التنقل سمة البدو، فإننا نرى اليوم العديد من بطون هذه القبائل موزعة على أقطار عديدة مثل العراق وسوريا والأردن والسعودية. وكان لمناخ الأردن المعتدل وخصوبة أرضه دور في جذب هذه القبائل، ولا سيما حوران والبلقاء وغور الأردن.
وتساءل الباحث في كتابه عن أمر مهم هو: هل كان البدو حجر عثرة في وجه تقدم المجتمع العربي بعامة، والمجتمع الشامي بخاصة؟ وقد أوضح الباحث أن المجتمعات لا تسير على خط اجتماعي واحد، وأن الاختلاف هو في نمط الحياة التي يحياها هذا المجتمع أو ذاك. فالحياة البدوية قائمة على الحل والترحال، على أننا نؤمن إيماناً مطلقاً بضرر الغزو، غير أن أسباباً كثيرة قد دفعت إليه لا مجال لذكرها هنا.
والاختلاف في أسلوب الحياة في المجتمعات حقيقة لا ينكرها عاقل، وللناس في معاشاتهم طرائق وعجائب مختلفة.
ولقد بدأت القوى القبلية المؤثرة منذ أيام الأمويين وأخذت منحنى مختلفاً عما قبلهم. ولما جاء العباسيون حاولوا وضع حدّ لهذه القوى، واستنجدوا بالفرس، وختمها المعتصم بإسقاط العرب من ديوان الجند.
ويذكر الباحث الأعمال الجليلة التي قاموا بها، حيث كانت القبائل المكون الأكبر لجيش صلاح الدين الأيوبي في حطين. وشاركت القبائل الأردنية في التصدي للفرنسيين عند أسوار عكا، وكان عدد عرب البلقاء وعجلون الذين توجهوا لمقارعة الفرنسيين ما يقرب من ثلاثين ألفاً في مرج ابن عامر.
وقد توصل الباحث في كتابه إلى أهمية علم الأنساب، وضرورة أن تقوم القبائل والعشائر بتسجيل أنسابها، وقام بإثبات جداول لبطون هذه القبائل اعتماداً على الوثائق، وعلى قائمة الحكومة الأردنية في انتخابات عام 2016م.
وأخيراً فإن هذا الكتاب يمثل إضافة نوعية إلى تاريخ الأردن، وأنساب عشائره وقبائله، ويثبت بأسلوب أكاديمي توثيقي أن الأرض الأردنية عامرة بسكانها، وأنها لم تكن يوماً خلواً من السكان، ويظهر الدور الفاعل الذي قامت به قبائل الأردن وعشائره في الدفاع عن الأرض الأردنية وهويتها العربية والإسلامية، والحس القومي العربي الذي كانت تستشعره هذه القبائل، فتندفع لمقاومة المحتلين خارج أرضها، صوناً للتراب العربي، وحفظاً لهويته وديانته.