ليس الإصلاح كما البناء
11:00 27-10-2019
آخر تعديل :
الأحد
من البديهيّ أنّ يختلف أهل الإصلاح عن أهل البناء من حيث المعايير والأدوات والخبرات نظراً لإختلاف الأهداف بين الغايتين، وهذه أحد أبرز الأسباب التي قادت للإنحراف الإداريّ الذي شهدته المملكة على مدار سنوات خَلَت.
وبعبارة أدق، فإن الخبرة المطلوبة في البنّائين جزءٌ من خبرات المُصلحين والعكس غير صحيح.
ولعلّ أكثر ما أضرّ بالدولة هو العامل أعلاه بالإضافة إلى عاملين آخرين، أدّت جميعها لخلق أزمة الإدارة المعقّدة التي نعيش تبعاتها.
فعامل ضعف التقييم وابتعاده عن معيار الكفاءة أدّى وبكلّ وضوحٍ إلى استمرار كثيرٍ ممّن لم يكونوا ليستمرّوا في السُّلطة لو بُنِيَت تقييمات أدائهم المتتالية على أساسٍ سليم، فكانت المفاجئة لدى تقلُّدهم سدّة مؤسساتهم وإداراتهم المختلفة أنهم دون القدرات المؤهلة وأضعف من إتّخاذ جريء للقرارات.
يضاف إلى ذلك العامل الثالث وهو المحاصصة، والذي وإن كان ضروريّاً في بعض الحقول إلّا أن إنسحاب أثره إلى الميادين كافّة أضرّ بالإدارة ورهن الإختيار أو الإستبعاد وفقاً للمعيار الشكليّ لسدّ الفراغ على حساب معيار الكفاءة الموضوعية المطلوبة، فكانت النتيجة الطبيعيّة فيمَن زكّته الجغرافيا أو الديمغرافيا أن يلتفت إليها لدى ممارسة أعماله والتمسّك بها كأصلٍ لوجوده وضامناً لبقاءه كما في القاعدة القانونية (الفرع يتبع الأصل)، ويتحكم هذا الأصل بالولاءات سواء الجغرافية أو غيرها تبعاً للرابطة والروافع.
لما تقدّم، علينا أن نقرّ بأنّ أسس التزكيات ومقوّمات تصعيد الكفاءات قد جانبت الدقّة والموضوعيّة والرقابة على مدار أعوام طويلة، حتّى أن بعض الروابط كانت وما زالت مكشوفة وتتناقلها الألسن والمجالس حتى يومنا هذا.
اليوم، علينا أن نعي بأنّ مهمّة الإصلاح الجسيمة مشروطة بالقدرات الفنيّة والمتطلبّات الشخصية البعيدة كلّ البعد عن الشعبويّات، وأنّ مفصلها سِيَرٌ ذاتيّةٌ غنيّةٌ نظيفة مُفَلترةٌ تضمن وصول القويّ الأمين، فعرّابو الإصلاح يختلفون عن عرّابي البناء، ومُسيّرو الأعمال يختلفون عن أولئك وهكذا دواليك.
ذلك طوق نجاة يختزل الكثير من العمل ويغنينا عن الخوض في الكثير من التفاصيل التي لن ينتج البحث فيها إلّا إثارة للنعرات وكيلٍ للإتهامات وإهدارٍ للوقت.
فكما علينا أن نرسم طريق الإصلاح بدقّة وجب أن نختار له الملائم من الأدوات، ولن يتمّ ذلك إلّا بقلوبٍ وطنيّةٍ دستورهـا الإخلاص.