تتحمل كل حكومة حصتها من التأزم الاقتصادي الراهن، فالوضع كان يمكن أن يسفر عن نتائج أفضل نوعاً ما، دون وجود ما يبرر الاعتقاد بأنه سيكون أفضل بكثير، فعقد كامل يوشك على الانقضاء على «الربيع العربي»، وحصيلته أسواق مغلقة لأسباب أمنية وأخرى سياسية، وفوق ذلك أزمة لجوء واسعة، وارتباك في سوق الطاقة بعد انقطاع الغاز المصري، وطلب متراجع على العمالة في الخليج العربي.
هل نبحث عن مبرر لهذه الحكومة والحكومات السابقة؟ بالقطع لا، فجميع الحكومات قصرت أيضاً في التعامل مع السؤال المهم المتعلق بالخلل الهيكلي في الاقتصاد الأردني والذي أخذ يتسع ويتسع منذ منتصف السبعينيات، فمن يرى المشكلة في المديونية الراهنة والتي بدأت بالتصاعد خلال السنوات الماضية لا يمكنه أن يصل إلى أي حل، فهذه المديونية حتى لو تراجعت بشكل كبير، سيبقى الأردن مرشحاً من جديد للدخول في دوامة مديونية كبيرة.
بدأت مشكلتنا الاقتصادية بعد الفورة النفطية في دول الخليج العربي، والقدرة الكبيرة على استيراد العمالة الأردنية، وكذلك المعونات الكبيرة التي قدمت للأردن بوصفه دولة المواجهة الأوسع مع (اسرائيل)، وتضخم الجهاز الحكومي ليقوم بتنفيذ المشروعات الطموحة التي وجدت تمويلاً معقولاً في تلك المرحلة، وبالتالي بدأ خروج الأردنيين زرافات ووحداناً من عجلة الإنتاج الحقيقي، من الزراعة والصناعة وأعمال البناء والصيانة، وتحول الاقتصاد إلى الخدمات وتحديداً في قطاعي المصارف والاتصالات وهي قطاعات شرهة للسيولة وتحتاج إلى اقتصاد حقيقي ?عتاش عليه في النهاية.
ووجد الأردن نفسه في حالة غريبة، فالطلب على التعليم الجامعي أخذ يشكل عقدة اجتماعية – اقتصادية مستحكمة، ويوجد لدينا أعداد كبيرة جداً من الخريجين ترفض الانضمام إلى القطاعات الأدنى في حلقات الإنتاج، ولتوفير احتياجات المملكة من العمالة بدأت عملية استيراد واسعة، وأخذ ما تبقى من الاقتصاد الإنتاجي بالمعنى الكلاسيكي يعاني من أن ثماره تتوجه إلى دول شقيقة تصدر العمالة إلى الأردن من خلال تحويلات كبيرة من العمالة الأجنبية.
العامل الزراعي الأجنبي مثلاً ليس معنياً بأكثر من موسمه الحالي، ومياوماته أو أجوره، وهو لا يفكر في تطوير المزرعة، لأن حلمه يتمثل في ملكية زراعية صغيرة في بلاده، وصاحب الأرض في الأردن لا يتطلع للزراعة إلا كمتطلب لتوفير حد أدنى من الدخل ليبحث عن فرصته في صلب نظام اقتصادي غير انتاجي.
التقييم الحقيقي يبدأ من أربعين عاماً كانت بعض مراحل الرواج تؤجل في كل مرة ضرورة التفكير في إعادة تصميم الاقتصاد الأردني وتصحيح الاختلالات الجذرية التي توصله في كل مرحلة إلى المربع الأول من جديد.
التأزم الاقتصادي.. البحث في المكان الصحيح!
11:15 26-10-2019
آخر تعديل :
السبت