كتاب

المعاهدة.. لو كان الحسّين حيّا

ورث الملك عبدالله الثاني معاهدة السلام مع إسرائيل بعد خمس سنوات من توقيعها، ملكاً على الأردن، ملتزماً بالقانون والاتفاقات الدولية، ولسوء الحظ كانت قيادات إسرائيل التي فازت بالسلام مع الأردن قد رحلت موتاً كاسحاق رابين، أو تقاعدت كاسحاق شامير وشمعون بيريز، وجاء العهد الأردني الجديد مع واحد من أسوأ قادة إسرائيل، بنيامين نتنياهو 1999 حيث حاول خلال الستة أشهر الأخيرة من حكمه التنصل من كل تبعات السلام، ثم عاد للحكم ثلاث دورات استطاع فيها قتل كل أمل كان يحلم به أهل المعاهدة، وعبر خمسة وعشرين عاماً مضت لم يقطف الأ?دن أي ثمرة حقيقية للسلام، وبقي الجزء المعلّق في المعاهدة وهو منطقتا الباقورة والغمر شوكة تقض مضجع القرار الرسمي، فالحسين كان كريماً مع لؤماء، والملك عبدالله أدرك أن الطريق القديم لن يوصل إلى جزيرة الأحلام والسلام الحقيقي.

في تشرين 1994 أجرت صحيفة «يديعوت احرونوت» الإسرائيلية مقابلة مع الملك الحسين، هي الأولى لصحيفة عبرية عقب توقيع المعاهدة، تصدرت مانشيتات الصحيفة تصريحات الحسين بقوله: «إن معاهدة السلام ستكون قاعدة لسلام حقيقي وجاد جداً، وأنا ملتزم بمنع أي إعتداءات عبر الحدود الأردنية» بعدها خرج الرئيس السوري حافظ الأسد بتصريحات انتقد فيها المعاهدة واعتبرها تجديفاً وخروجاً على «قيم الإسلام»، واستهجن تأجير أراضي الباقورة والغمرّ للإسرائيليين، الأسد قال ذلك بعدما توقف عن الاستمرار في مسار المفاوضات غير المباشرة مع الجانب الإسر?ئيلي.

رفض الحسين تصريحات الأسد وقال: «لا أحد في العالم يعلمني ما هو الإسلام، وما هو اعتقادي الديني، وليروني من قال أن الإسلام ضد السلام والتعايش بين الأمم، وشدد على أن الأردن لن يكون ساحة لأي نشاط يهدد أمن الأردن والدول المجاورة أيضاً، خرج الأسد بعدها عبر مجلس الشعب يخطب لثلاث ساعات يقاطعه التصفيق الطويل والممل مهاجماً الجميع، ومع هذا لم تعُد إسرائيل الجولان لسوريا، ولم تفتح لنا المعاهدة بوابة الجنّة، فلا أهل السلام كسبوا خيراً ولا الممانعون أعادوا أرضهم.

لو كان المغفور له الملك الحسين حياّ بيننا لما دافع عن معاهدة السلام بعدما رأى التعنت الإسرائيلي وسنين الجفاف والقحط السياسي والتنموي وإدارة الظهر لكل الالتزامات التي تعهدت بها الدول الضامنة للمعاهدة تجاه الأردن والوعود بالسمن والعسل بعد ربع قرن من دفء الخاصرة الإسرائيلية، ولن يكون الموقف أشد من موقف الملك عبدالله تجاه السياسات الإسرائيلية التي باتت تقوض ما تبقى من أحلام السلام الرسمي، خصوصاً السطو على الدور الأردني في مدينة القدس، وتغيير قواعد الاتفاق هناك، فضلاً عن حصار الدولة الفلسطينية التي لم تر النور ?لحقيقي ولا الشعب المضطهد هناك بفضل سياسة الكراهية التي قادها الليكود المتطرف.

ما تبقى لنا هي أراضي الباقورة والغمر ولا تفاوض عليها مع من لا يروننا سوى شريك سابق في معاهدة سلام لم يتبق منها شيء، وأي تراجع عن موقفنا سيجعلنا أكثر ضعفاً.

Royal430@hotmail.com