دخل الرئيس التونسي الجديد قيس سعيّد أول من أمس قصر قرطاج مثقلا بتحديات ومسؤوليات كبيرة، ولكنه يتسلح بإرادة الشعب وثقته وتطلعاته وطموحاته.
الرئيس الجديد أستاذ جامعي في القانون الدولي والدستوري وهو من منبت طبقي بسيط في أحد الأحياء الشعبية حمله طلابه وزملاؤه ومريدوه إلى سدة الرئاسة بإصرارهم وعملهم الجاد فكان لهم ما أرادوا.
أمام البرلمان التونسي كان خطاب الرئيس متميزا بنبرة هادئة واضحة لا لبس فيها ولا غموض ولا غمغمة.
لم يقدم وعودا ولا عرض برنامجا، ولكنه كان حاسما في التأكيد على ثوابت الأمة، وشوق التونسيين إلى الكرامة والحرية والعدالة والمساواة وأداء الأمانة، واستعدادهم إلى مواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بتفاؤل غير واهم وإصرار منبثق من إيمان بالقدرات.
خطاب جديد استمعنا إليه هذه المرة، بعد سنوات من انتصار الثورة التونسية يؤكد عروبة تونس وخياراتها وحضورها العربي والإفريقي والإنساني.وكان لافتا أن الخطاب أكد أن فلسطين ليست قطعة ارض تخضع للصفقات والمناقصات، ولكنها «قضية شعبنا المنقوشة على صدور التونسيين»، أي أنها قضية تونس كما هي قضية العرب، دون مزايدات ولا حناجر متوترة. وان العداء ليس لليهود في البلاد العربية ومنها تونس، ولكنه للاحتلال والاستيطان والعنصرية.وقد آن الأوان لوضع حد لهذه المظلمة. وان فلسطين لن تسقطها القوة ولا الصفقات. وان يأتي هذا الصوت من تونس يعني أن الأمة بخير وان ثوابتها لن تسقط أبدا.
وكان الرئيس قد قال في مناظرة مع منافسيه خلال الانتخابات الرئاسية أن التطبيع مع الصهاينة مصطلح خاطئ، وتصحيحه أنه خيانة.
الكثير مما جاء في خطاب الرئيس التونسي يستحق التنويه ابتداء من لغته الفصيحة الواضحة بوصفه أستاذا جامعيا لمادة القانون الدستوري مرورا بوقفته الواثقة وتوجهاته الشعبية وخاصة الحديث المتقدم عن ثورة سياسية وثورة ثقافية، وهذا تجديد للمشروع الثقافي الذي بدأه الرئيس الراحل بورقيبة ولم يستكمله في الستينات.
والأهم أن الرئيس سعيد يتبنى فكرة طالما طالب بها المشتغلون بالفلسفة في الوطن العربي، وهي إعادة الاعتبار للفلسفة في مناهجنا الدراسية وتدريسها حتى من المراحل الابتدائية. وهو أمر يدعو إلى التقدير وخاصة أنه يرى أن تعليم الفلسفة يحصن الشباب ضد الأفكار المتطرفة. والفلسفة تضع العقل في مكانه الصحيح من المناهج التربوية.
ويبقى أن الخطاب شدد على حمل الأمانة والمسؤولية بعزم وثقة مع التنويه بأنه لا مجال لأحد أن يعمل خارج إطار القانون وأن حرية الشعب وكرامة المواطنين مصانة، وأن لا مساس بحقوق المرأة التي اكتسبتها بكفاحها وصبرها وكفاءتها. كما أنه لابد من وقف إهدار المال العام ومواجهة شبكات الفساد بكل أسبابه.
وأخيرا فإن الكل سيمر ويمضي والدولة تستمر وتبقى، لتظل راية الوطن في الأعالي.