كتاب

الخريف الأسوأ

نذائر لا تبشِّر بخيرٍ بدأت تظهر في محيطنا العربيّ القريب كموجةٍ قد تكون أعنف ممّا يسمّى بالربيع العربي.

وإزاء هذه الحالة المستعصية من الإنفلات الإلكترونيّ الذي نطالعه يوميّاً والإستقواء على الدولة كما شهدنا في الإضراب الأخير، وثبوت غياب الشعور بالإلتصاق مع مقدّرات الوطن كما جرى من تحطيمٍ للّوحات الإعلانية لباص عمّان مثالاً، ومع هيمنة الشعور بالفساد على المشهد العامّ نكون أمام حالة تستدعي معاينة معطياتها بدقّة خشيةً من انتقال عدوى الربيع السابق والتي دفعت للتضحية بحكومة كانت أفضل من سابقاتها ولاحقاتها في الرّؤية والشفافيّة والتقشّف، ليُقَدَّمَ درءُ المفاسد على جلب المغانم كما في القاعدة القانونية حتّى يعبر الربيع المشؤوم بسيامٍ وبأقلّ الخسائر.

وهنا، على الجميع أن يدرك بأنّ عمود التوازن ونقطة الإرتكاز لن تكون إلّا في سيادة حقيقيّة للقانون وتطبيقٍ موضوعيٍّ مع تقنين الإستثناءات التي جعلت من التسامح أصلاً لا استثناءً.

ومن هنا، يرغب المواطن في رؤية المسؤول منصاعاً للقانون قبل العوامّ، ويحاسب عند التقصير و الإخفاق، لا أن يُحال إلى التقاعد أو ينتقل عضواً في مجلس إدارةٍ بعيداً عن الأعين وكأنّ شيئاً لم يكُن، فإحالة المقصّر إلى التقاعد لا تعني الجزاء السياسيّ ولا يُعدُّ استمراره رضىً بل لا بدّ وأن يُتبَعَ إقصائه بجزاءٍ قانونيّ يتناسب مع جسامة القصور والإخفاق.

ولا بدّ من التمييز بأن القانون لا يصادر حقوق التعبير والفعل أو التّرك، بل إنّ أرقى الأمم وأكثرها حرّيّة وحضارة هي المحتكمة للقانون والمستندة إليه فمن أَمِنَ العقوبة أساء الأدب.

فلا مفرَّ من إعمال نصوص القانون ليكون الرقيب العتيد على الوطن بكلّ أركانه من سلطات دستوريّة وعوامّ، وتلك نقطة الانطلاق نحو الشعور العامّ بأنّ القانون سيفٌ وسيّدٌ ومُحترم.

كما يتوجّب إعادة تعريف الإنتماء في نفوس الأردنيّين، ففي مشهدٍ غاية في الغرابة، يظهر الشعور بالإنتماء الحقيقيّ لا بل (المثاليّ) لدى الأردنيّين في مواجهة واجهوا الإرهاب، وكأنّ إنتماءنا مرتبط بالأحداث الجسيمة أمّا الصغيرة فلا تدخل في المعادلة والحساب.

ولعلّ من أسباب تفشّي هذا الشعور هو اعتقاد المواطن بأنّ ما للدّولة للدّولة، وفي هذا إشارةٌ لخللٍ في المنظومة التأسيسيّة أيضاً.

وحتى ننجو من رياح الخريف التي لا أظنّها عفويّةٌ بل تُحَرَّك من الخارج خلف سِتار، علينا أن نمتلك من الجرأة ما يمكّننا من تشخيص الداء بدقّة وموضوعيّة، فالسياسات الإقتصادية شلّت معظم القطاعات، وقطعت الضّرائب أنفاس الجميع، ومع زال المواطن يُبتزُّ في وطنه بواسطة ومحسوبيّة و معاملة تفضيليّة لغيره عليه أمام مرأى من عينيه في المكاسب و المناصب ولدى مراجعة الإدارة العامّة، وما زال ظهر الفساد يستند إلى قواعد تنتظر من يقوى على ترجمة الأوامر العليا بكسرها.

إذاً، لا بدّ من تعزيز نهج الشفافيّة ما أمكن، ومغادرة مربع الإرتجاف لدى إتخاذ القرار، وشمول القانون كمظلّةٍ جامعة تعيد ضبط إيقاع المشاهد جميعاً إلكترونيّةً أو وظيفيّةً أو إجتماعيّة كانت.

فالحقُّ أبلج، وله كُلفةٌ على الجميع أن يحتملها بجسارةٍ وشجاعة، وبغير ذلك ستتعاظم الشّكوى ويتفشّى الاحتقان وسنصل إلى حالة أبعد ما تكون عن الصّحّة.