لا أحب أن أكون ضمن «جاهة صلح» لتقديم الاعتذار عن سخافات صبيانية تواجهنا دائما على مدرجات ملاعب كرة القدم ولم تنفعنا بشيء سوى المزيد من هدم أخلاقيات الجيل الصاعد الذي لا يقرأ تاريخاً ولا يستشرف مستقبلاً، ولكن يبدو أن كرة القدم باتت كرة نار تتدحرج وتكبر لتحرق ما تبقى من قيّم المجتمع الأردني الذي سجل يوما مواقف مشرفة في التعامل بأخلاق عالية مع كل من تآمر أو أساء اليه، وما حدث في مباراة كرة قدم بين المنتخبين الأردني والكويتي من تحدٍ وتشفٍ ومنابزة تاريخية بأثر رجعي عمرها يقارب الثلاثين عاما يجعلنا نشعر بالرعب من القادم لمجتمعنا.
القضية ليست صدام حسين وغزوه للكويت والتي تحتاج الى سلسلة مقالات طويلة لشرح الظروف التي تم إنتاجها عبر وكالات ودوائر القرار السياسي والاستخباري العالمي وإسرائيل على رأسها، بل القضية هي أخلاقنا التي تم تدميرها على أيدي خبثاء وجهلاء ومغفلين في محاولة مضمونة لهدم منظومة القيّم والأخلاق لدى الجيل الجديد، وتعبئتهم تعبئة فاسدة سلاحها الألسن التي تصدح بلا رقيب ذاتي ولا تربية محترمة، فتجرح الكلمات وتزعزع أسس أكبر بناء وطني أحيانا، فقط يحتاج الأمر الى عشرة سفهاء ينكأون جرحا قديما فتثور قبائل العرب ضد بعضها.
عندما يصل الأمر الى أن يتصل جلالة الملك بأمير الكويت مؤكداً نقاء علاقة الأخوة بين البلدين والشعبين العربيين، جراء ما اقترفته مجموعة من الغوغاء الذين لم يتلقوا دروسا جيدة في التربية، فتلك مرحلة محرجة، بل إنها مرحلة خطيرة علينا داخل الأردن بعيدا عن علاقتنا خارج الحدود، فأولئك الصبية وجيلهم كاملا لم يولدوا بتاريخ الثامن من آب 1990، ولم يعرفوا أو يقرأوا ملفات المساعدات المالية والنفطية التي كانت دول الخليج وعلى رأسها السعودية والكويت تتدفق الى الأردن، يقابلها منح نفطية مجانية وشبه مجانية كانت تأتي من العراق أيضا، وهذا الأمر له تكلفة عالية أساسها «الوفاء التاريخي» لأشقاء غير ملزمين بدعم الأردن بلا مقابل.
ولنعد الى أساس المشكلة، جيل لم يعد يقيم للغة الأدب والحوار وحسن الضيافة وشهامة العرب ومروءتهم أي وزن، وليسوا هم فقط بل هناك من الكهول الذين نشأوا في حاضنة الأحزاب الممتدة من الخارج، وهذا مؤشر خطير على تردي التربية الوطنية والعائلية أيضا، ولننسى السياسة، فقد بات كل مواطن فيلسوفا ومفكرا وكاتبا والأهم قاضيا يصدر أحكامه على كل شيء وعلى الآخرين ولا يحكم على نفسه أو يحاسبها على ظلمه للآخرين وجهله بالمعلومة الحقيقية.
المانيا بقيادة أدولف هتلر إحتلت نصف أوروبا عام1940، فرنسا وهولندا وبلجيكا وبولندا ولكسمبورغ والنمسا والمجر وأحرقت لندن، ومع ذلك لم نر يوما أوروبيا واحدا ينتقص من الشعوب التي احُتلت أو نادوا باسم هتلر، فهل نسمع يوماً جماهير الملاعب تنادي «هيا بنا نغزو الكويت»، أم هي شهوة التشفي والتعالي والانتقاص من الآخر ولسنا بأفضل منهم.؟!