جماعة عمان لحوارات المستقبل، لا نختلف على اعتبارها من الجماعات الراشدة التي أوجدت لنفسها مكانا محترما على الساحة الوطنية، والتي أدلت بدلوها في الكثير من الملفات الساخنة، بادرت بإعداد مشروع «خارطة طريق» للخروج من أزمة الأردن الاقتصادية.
وهي مبادرة مقدرة بحكم أنها تتضمن تشخيصا للحالة الاقتصادية، ومقترحات لخطوات إجرائية تعالج بعض جوانب تلك الإشكالية المؤرقة، والتي حولت الشارع الأردني إلى «مجتمع مأزوم»، يعبر أفراده عن تلك الأزمة في كل مكان بما في ذلك الشارع العام.
المبادرة المقدرة والمحترمة، غطت الكثير من الجوانب التفصيلية، وركزت على إجراءات لا بد من اتخاذها للتخفيف من حدة الأزمة، والانتقال التدريجي إلى حلول اقتصادية، لتكون من أوائل المبادرات الوطنية التي تقترح حلولا علمية وعملية لإشكالية وطنية بهذا الحجم.
لكنها، ودون التقليل من شأنها، بدت وكأنها تفصل بين الجانبين السياسي والاقتصادي، أو أنها ترى إمكانية إيجاد حل اقتصادي بمعزل عن الحل السياسي أولا، والإداري ثانيا.
فما طرحته «الخارطة» من أفكار مهمة، لا يمكن إنجازه بمجرد قرارات يتم اتخاذها في جلسة حكومية أو أكثر، وإنما تحتاج إلى وقت طويل، يمتد إلى سنوات. وهذا يعني الحاجة الى استمرارية، وإلى تخطيط طويل الأمد. وبالتالي إلى التزام حكومي لا يمكن أن يتحقق ما لم تكن هناك نهضة سياسية تطال أسلوب تشكيل الحكومات، وقبل ذلك قانون وإجراءات الانتخاب للسلطة التشريعية.
تعودنا على أن كل حكومة تأتي، تبدو وكأنها «تلعن سابقتها»، وتحاول البدء من نقطة الصفر، كما تعودنا على أن كل وزير يأتي يلغي غالبية ما اتخذه من سبقه من إجراءات، وأن الغالبية من الحكومات لا تنظر إلى الخلف لا من قبيل التقييم، ولا بهدف الاستفادة والبناء على ما تم.
وللأسف أصبح الثابت الوحيد الذي لا يتغير، هو انعدام الثقة بين المواطنين والحكومة، وتطور إلى عدم ثقة بين المواطنين أنفسهم، وأصبح التعبير عن عمق الأزمة واضحا بشتى وسائل الممارسة والتعبير سواء من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى الممارسة المباشرة في الشارع، وإلى الدرجة التي بات يتعين على كل شخص أن يضبط أعصابه لكي يتقي حدوث سلسلة من المشاجرات «الشارعية» إما لسبب تافه، أو حتى بدون أي سبب.
وتحول الإحساس العام إلى اعتبار أن المسؤول خصم لكل مواطن، وإلى محاولة إخراج كل من تقلد المسؤولية من دائرة المواطنة.
وفي البعد الإداري هناك إحساس عام بوجود ثغرة إدارية عامة، لكنها تتجلى في ملف الإدارة المالية بعنصريها «الإيرادات»، التي لو أحسن استغلالها لكانت كافية بالحد المقبول، و«النفقات» التي لو تم ترشيدها لكانت مناسبة لواقعنا.
هنا ومع التأكيد على حيوية وأهمية المشروع الذي أطلقته الجماعة، وإلى نشاطها بشكل عام، أرى أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار البعد السياسي، باعتباره الأساس للإصلاح.